الرئيسيةأخبارلكل قبره – مسرحية بالألمانية تحكي عن الحياة والاغتراب أو الموت في ديار الغربة

لكل قبره – مسرحية بالألمانية تحكي عن الحياة والاغتراب أو الموت في ديار الغربة

مسرحية لكل قبره

يواصل الكاتب والصحفي والإعلامي والمخرج السينمائي المغربي محمد نبيل، المقيم في ألمانيا، توسيع مشروعه الإبداعي الذي يجمع بين الصحافة والسينما والمسرح، من خلال نصه المسرحي الجديد “لكل قبره”، وهو عمل كُتب باللغة الألمانية وتمتد عروضه لنحو 90 دقيقة، ويطرح بأسلوب فلسفي وشاعري أسئلة الاغتراب والهوية والموت في ديار الغربة.

ويقدم النص، الذي تؤديه فرقة “فلاشن غايست” التي أسسها محمد نبيل رفقة مجموعة من المثقفين العرب في ألمانيا، رؤية مسرحية تتجاوز الحكاية المباشرة لتغوص في قضايا الوجود والذاكرة والانتماء، مستندة إلى أربعة شخصيات تتحرك داخل فضاء إنساني مشحون بالأسئلة أكثر من الأجوبة.

وتدور أحداث المسرحية داخل مستودع للأموات في العاصمة الألمانية برلين خلال خريف عام 2021، حيث تلتقي الشقيقتان أحلام، القادمة من باريس، وفاطمة، القادمة من لندن، وهما ألمانيتان من أصول عربية، بعد وفاة والدهما، من أجل حسم مكان دفنه. وبين رغبة أحلام في أن يوارى جثمان والدها الثرى في ألمانيا، وإصرار فاطمة على إعادته إلى وطنه الأصلي، يتصاعد صراع إنساني وأخلاقي يعكس إشكالات الهوية والانتماء لدى أبناء الهجرة.

ويحضر إلى جانب الشقيقتين موظف ألماني يعمل في مستودع الأموات، يدعى “مولر”، الذي يمثل المؤسسة المكلفة بإجراءات الدفن، فيما تشكل شخصية “الروح” أحد أبرز العناصر الرمزية في العمل، إذ تظهر وتختفي فوق الخشبة في ثماني محطات، تغني وترقص باللغة العربية على أشعار جلال الدين الرومي والحلاج ونزار قباني وأغنيات لمحمد عبد الوهاب، قبل أن تنتقل إلى مقطوعات لباخ وشومان، في مزج فني يعكس حوارا بين الثقافتين العربية والغربية.

وتؤدي شخصية الروح وظيفة درامية خاصة، فهي غير مرئية بالنسبة لشخصيات المسرحية، لكنها تبقى حاضرة أمام الجمهور، حيث يتحول ظهورها إلى لحظة رمزية يتوقف خلالها الزمن، وتغرق الشخصيات الثلاث في حالة من الموت الرمزي، قبل أن تستعيد الحياة إيقاعها مع اختفائها، في بناء مسرحي يعكس دورة الحياة والموت واستمرار الأسئلة الوجودية.

ويعتمد العرض على ديكور بسيط لكنه بالغ الدلالة، إذ تدور الأحداث داخل مستودع للأموات تغلب عليه الإضاءة الخافتة والأجواء الكئيبة، بينما تصطف الجثث المرقمة في المكان، وتستقر حقائب قديمة في أحد أركان الخشبة، في إشارات بصرية تختزل الغربة والرحيل والذاكرة.

ولا تقتصر المسرحية على طرح قضية دفن مهاجر في بلد الإقامة أو الوطن الأم، بل تفتح نقاشا أوسع حول علاقة الإنسان المهاجر بالعمل والرأسمالية والاندماج، وبالجسد والروح والحب والهوية، في معالجة فلسفية تستحضر أجواء الكاتب فرانز كافكا، حيث تتحول الشخصيات إلى كائنات تبحث عن معنى وجودها وسط عالم تحكمه الأرقام والعزلة واللامعقول.

وتبلغ الأحداث ذروتها عندما تقرر السلطات الصحية الألمانية حرق جثمان الأب بعد تأخر إجراءات الدفن بسبب استمرار الخلاف بين الشقيقتين، لتنتهي القصة بصورة مأساوية يفشل فيها الجميع في تحقيق أهدافهم، سواء الابنتان أو موظف مستودع الأموات الذي يرى في الجثث أصدقاءه. وفي المشهد الختامي، تتعرض أحلام لانهيار نفسي، بينما تنسحب فاطمة باكية، قبل أن تختتم المسرحية برسالة إنسانية مؤثرة تقول: “قل كلمتك قبل أن تنسحب من الحياة… قبل أن تموت.”

وتُعرض مسرحية “لكل قبره” باللغة الألمانية، باستثناء شخصية الروح التي تؤدي مقاطعها باللغة العربية، في خيار فني يكرس الحوار بين الثقافات والأديان، ويمنح العمل بعدا إنسانيا عالميا. ويأمل مؤلفها محمد نبيل أن تحظى المسرحية بعروض في المغرب والعالم العربي بلغتها الأصلية، مرفقة بترجمة عربية، بما يتيح للجمهور العربي التعرف على هذا العمل الذي يلامس إحدى أكثر القضايا حساسية في تجربة الهجرة والاغتراب.

ويُعد محمد نبيل من الوجوه الثقافية المغربية المقيمة في ألمانيا، إذ راكم تجربة طويلة في الصحافة والإخراج السينمائي والمسرحي، وأسهم في تنظيم العديد من الأنشطة الثقافية العربية في برلين، كما أنجز عددا من الأفلام الوثائقية، ويحمل دبلوما في الصحافة والعلوم السياسية من كندا، إلى جانب تجربته السابقة أستاذا للفلسفة.

عزيز باكوش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *