استعرض الكاتب المغربي الطاهر بنجلون، في إصداره الجديد “مراسل صحفي حر في لوموند”، جزءاً من تجربته الطويلة في العمل الصحفي داخل جريدة “لوموند” الفرنسية، وذلك خلال لقاء ثقافي نظمه مجلس الجالية المغربية بالخارج يوم السبت 2 ماي، ضمن فعاليات الدورة الـ31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط.
وخلال هذا اللقاء الذي احتضنته قاعة الشريف الإدريسي، أوضح بنجلون أن كتابه الصادر حديثاً عن دار “غاليما” في 120 صفحة، يحكي مسار دخوله إلى عالم الصحافة بدافع الحاجة إلى كسب العيش، قبل أن تتحول التجربة إلى مسار مهني امتد لسنوات داخل واحدة من أبرز الصحف العالمية. وأضاف أنه حين اقترح على إدارة “لوموند” معالجة موضوع الهجرة والمهاجرين، قوبل الأمر في البداية بتوجس، لكونه لم يكن يحظى آنذاك باهتمام واسع داخل الرأي العام الفرنسي أو النخب الثقافية.
ومع مرور الوقت وتوالي المقالات التي أنجزها، أشار بنجلون إلى أن هيئة التحرير بدأت تدرك أهمية هذا الموضوع، خاصة مع اعتماده على شبكة من العلاقات مع الجاليات المغاربية، ما أتاح له نقل تفاصيل دقيقة عن ظروف عيش ومعاناة المهاجرين، خصوصاً الجيل الأول الذي وصل إلى فرنسا وحيداً دون سند عائلي.
وفي حواره مع الإعلامي عبد الله الترابي، استعرض الكاتب مساره المهني داخل “لوموند” الممتد لأزيد من أربعين سنة بين 1973 و2011، متنقلاً بين أقسام التحرير المختلفة، من بينها “لوموند ديبلوماتيك” وقسم الشؤون الدولية، موضحاً أنه بدأ التجربة شاباً يبحث عن أسلوب حياة وكتابة في آن واحد.
وعن أسلوبه الصحفي، أكد بنجلون أنه كان يمزج بين التجربة الميدانية والتأمل في الكتابة والذاكرة، مع مواكبة التحولات التي عرفتها الصحافة الفرنسية عبر عقود. كما توقف عند محطة مفصلية حين كلف بتغطية موسم الحج باعتباره “المسلم الوحيد” القادر على إنجاز المهمة، حيث كتب سلسلة مقالات لم تتردد في رصد بعض الجوانب السلبية. وأوضح أن ردود الفعل اختلفت بين المغرب والسعودية؛ ففي حين وجهت له ملاحظات من مسؤولين مغاربة حول جرأة الطرح، جاءت استجابة الجانب السعودي إيجابية، إذ عبر سفير المملكة في باريس عن تقديره لما كتبه وأكد أن الملاحظات ستؤخذ بعين الاعتبار.
وفي حديثه عن مواقف النخب الفرنسية من المغرب، اعتبر بنجلون أن جزءاً من اليسار الفرنسي ما يزال، حسب تعبيره، أسيراً لقراءات تقليدية لم تعد تعكس الواقع، مشيراً إلى انحيازات في بعض المواقف تجاه قضايا المغرب. وأكد في المقابل اعتزازه بما يشهده بلده من تقدم، ودفاعه عن الملكية باعتبارها خياراً مجتمعياً وعنصراً أساسياً في مسار الإصلاح، مع الاعتراف بوجود تحديات اجتماعية تتطلب مزيداً من الجدية، خاصة ما يتعلق بضعف الالتزام بالقانون وقيم العيش المشترك وتدبير الاختلاف.
كما دعا إلى ضرورة تبني مقاربة أكثر “معقولية وجدية” في معالجة بعض القضايا، منتقداً قرارات قال إنها تضر بصورة البلاد، من بينها منع بعض الأشخاص من السفر.
ويُصنف الطاهر بنجلون ضمن أبرز كتاب الجيل الثاني من الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، وقد راكم مساراً أدبياً غنياً يشمل الرواية والشعر والقصة، من أشهر أعماله “ليلة القدر” التي نال عنها جائزة “غونكور” الفرنسية. كما تناول في أعماله قضايا العنصرية والهجرة، معتبراً أن فشل إدماج المهاجرين في المجتمعات الأوروبية ساهم في تفاقم هذه الظواهر.
وينحدر بنجلون من فاس، حيث تابع تعليمه الأولي قبل الانتقال إلى طنجة ثم الرباط لدراسة الفلسفة، ليغادر إلى فرنسا سنة 1971 حيث حصل على الدكتوراه في الطب النفسي الاجتماعي. وعمل لاحقاً أستاذاً للفلسفة في تطوان والدار البيضاء، قبل أن يهاجر إلى فرنسا ويبدأ مسيرته الصحفية مراسلاً حراً في “لوموند”، إلى جانب مساره الأدبي الذي يشمل روايات مثل “حرودة”، “صلاة الغائب”، “تلك العتمة الباهرة” و”استئصال الألم”.
طنجة الأدبية

