الرئيسيةأخباربين السرد والوقائع: ندوة تونسية مغربية تعيد قراءة التاريخ عبر الأدب

بين السرد والوقائع: ندوة تونسية مغربية تعيد قراءة التاريخ عبر الأدب

الأدب الفرنكفوني

في القصر الذي يحتضن المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” بقرطاج، بضواحي العاصمة التونسية، يلتقي باحثون من تونس والمغرب في ندوة علمية تتناول العلاقة المعقدة بين التاريخ والسرد الأدبي داخل الأدب التونسي المكتوب بالفرنسية، في محاولة لإعادة مساءلة حدود التداخل بين الوقائع التاريخية والخيال الروائي.

وتطرح هذه الندوة، المعنونة بـ”التاريخ على محك الأدب التونسي الفرنكفوني”، مجموعة من الإشكالات الفكرية، أبرزها مدى قدرة الأدب على كشف المساحات الغامضة من التاريخ، أو منحه بعداً إنسانياً وحياتياً عبر الخيال، دون أن يتحول إلى وسيلة لتبرير الأحداث أو إعادة إنتاجها بشكل مباشر. وقد شكلت هذه الأسئلة محور النقاشات خلال الجلسة الأولى، حتى عند تحليل أعمال أدبية بعينها.

وفي هذا السياق، أوضح الباحث سمير المرزوقي، أستاذ الأدب الفرنسي والأدب الناطق بالفرنسية بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، أن الأدب يمتلك قدرة خاصة على التقاط أثر الوقائع والانفعالات الإنسانية الناتجة عنها، وهو ما يعجز عنه الخطاب التاريخي الذي يلتزم بالموضوعية والحياد في نقل ما حدث. واستند في مداخلته إلى رواية “أوجوردوي” لكوليت فلوس، متوقفاً عند استحضار الكاتبة لتجربة يوم 5 يونيو 1967، كما عاشتها وهي شابة يهودية في تونس العاصمة، وكيف تحوّل هذا الحدث إلى لحظة فاصلة في حياتها. كما أبرز التحولات التي طرأت على طريقة تمثلها للوقائع بين زمن الحدث وزمن كتابة الرواية سنة 2004.

من جانبه، تناول أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة القاضي عياض، محمد حبيب الله، في مداخلته المعنونة بـ”من يملك الماضي؟ ما لا يمكن تملكه والسرد التاريخي في أعمال عبد الوهاب المؤدب”، طبيعة العلاقة بين التاريخ والسرد، مؤكداً أن التاريخ ليس مجرد حفظ للماضي، بل هو أيضاً عملية بناء له عبر الكتابة والاختيار والترتيب. واعتبر أن السرد التاريخي يظل في جوهره فعلاً أدبياً يقوم على تنظيم الأحداث ومنحها معنى.

واستشهد الباحث المغربي بأعمال عبد الوهاب المؤدب، خصوصاً في تناوله لشخصيتي الحلاج وابن عربي، مبرزاً أن التاريخ في تصور المؤدب ليس ثابتاً أو منغلقاً، بل هو في حالة حركة دائمة عبر الترجمة وإعادة القراءة، ليصبح فضاءً مفتوحاً غير قابل للتملك أو الإحاطة النهائية.

أما الباحثة المغربية حنيفة علوي من المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء–سطات، فقد ركزت في مداخلتها عن بعد على رواية “تمثال الملح” للكاتب التونسي اليهودي ألبير ممي، موضحة كيف يمكن للسيرة الذاتية أن تتحول إلى مصدر تاريخي موازٍ، يساهم في إعادة بناء الذاكرة الجماعية. وأشارت إلى التحول السردي من ضمير الفرد “أنا” إلى ضمير الجماعة “نحن”، بما يعكس انتقال التجربة الفردية إلى مستوى الذاكرة المشتركة، حيث يصبح السرد ممارسة لإعادة تشكيل الذاكرة والسياسة المرتبطة بها.

كما قدم الكاتب والشاعر التونسي الطاهر البكري مداخلة عن بعد تناول فيها الكتابة من منظور المنفى والتجربة المعيشية، متوقفاً عند أثر المكان في تشكيل السرد التاريخي، خاصة من خلال شهادات تتقاطع مع أحداث واقعية وتجارب شخصية، من بينها كتاباته المرتبطة بزيارته لفلسطين وما رافقها من رصد يومي لانتهاكات حقوق الإنسان.

وتتواصل أشغال هذه الندوة الأكاديمية على مدى يومين، عبر جلسات علمية تناقش أعمالاً أدبية متنوعة، تسعى إلى فهم كيفية تداخل الإبداع الروائي مع الحدث التاريخي، وإلى أي مدى ينجح الأدب في التوفيق بين شروط الجمالية الفنية ومتطلبات استحضار التاريخ وإعادة كتابته ضمن رؤية سردية جديدة.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *