ليس كل بقاءٍ فضيلة، كما أن الرحيل ليس دائمًا خيانة للواجب، قد يكون الواجب نفسه.
فثمّة لحظات يتحوّل فيها الاستمرار إلى عبءٍ أخلاقي، ويغدو القرار الحقيقي هو كيف نحمي أرواحنا من التآكل، لا كيف نُقنعها بالتحمّل.
يأتي وقتٌ يكتشف فيه الإنسان أن المكان الذي أحبّه لم يعد يشبهه. لا لأن الأرض تغيّرت، بل لأن من تصدّروا المشهد اختاروا أن تُدار الأمور بمنطق المصالح لا القيم، وبحسابات النفوذ لا الكفاءة. هنا يبدأ الصراع الصامت بين ما نؤمن به، وما يُطلب منا أن نتغاضى عنه باسم الواقعية أو التكيّف. هل نقبل الرضوخ والخنوع ونتكيف مع الثمن المغري لبيع القيم، ام نتصارع ونفقد كل شيء حتى ما بقي من روحنا الجميلة؟؟
كثيرون يعيشون داخل أوطانهم بقلوبٍ مفتوحة، مؤمنين بأن الحب قادر على التغيير، وأن الإخلاص عدوى نبيلة، وأن الاجتهاد لا يضيع. لكن التجربة القاسية تكشف أن بعض البيئات لا تستهلك الجهد فحسب، بل تستنزف المعنى، وتُعيد تعريف القيم على نحوٍ مشوَّه، حتى يبدو الصدق سذاجة، والنزاهة عبئًا، والضمير ترفًا غير مرغوب فيه، ومن يملكه منبوذ ومحاصر حتى تستنزف طاقة احتماله، أو يقتل الضمير الذي أتعبه.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الأذى الخارجي وحده، بل في التحوّل الداخلي. حين يبدأ الإنسان بالشعور بأن طيبته تُستغل، وأن مبادئه تُساوَم، وأن صوته الداخلي يُطالَب بالصمت حفاظًا على “الانسجام”، يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون شخصيًا:
هل البقاء دائمًا دليل انتماء؟ أم أن الانتماء الواعي يقتضي أحيانًا التراجع خطوة حفاظًا على الجوهر؟
في لحظةٍ ما، يدرك الإنسان أن المسألة لم تعد صبرًا ولا تحمّلًا، بل اختبارًا أخلاقيًا خالصًا. وحين تتحوّل الطيبة إلى عبء، ويُطالَب الضمير بالصمت باسم الحكمة، تتجلّى الحقيقة واضحة، موجعة، لكنها ضرورية:
نرحل أحيانًا، لا لأننا أقلّ انتماءً،
بل لأننا نرفض أن نكون شهودَ زورٍ
على وطنٍ يُفرِّط في أبنائه الصالحين،
لصالح من أتقنوا فنَّ الصعود على أكتاف الآخرين.
هذا المعنى لم يكن يومًا طارئًا على الفكر الإنساني، بل تردّد في كتابات مفكّرين أدركوا أن حماية الروح مقدّمة على التكيّف مع الزيف. فالفيلسوف الإسباني **خوسيه أورتيغا إي غاسّيه (José Ortega y Gasset)** رأى أن النبل الأخلاقي يقتضي أحيانًا الانسحاب، فقال:
«الإنسان النبيل يفرّ من المكان الذي يفسد روحه، قبل أن يفسد هو ذاته».
ويعبّر الروائي والفيلسوف الروسي **ليو تولستوي (Leo Tolstoy)** عن المعنى نفسه حين يؤكد أن السلام مع الضمير لا يتحقق في ظل الظلم، بقوله:
«لا يستطيع الإنسان أن يعيش في سلام مع ضميره حين يُجبر على التعايش مع الظلم».
أما الشاعر والفيلسوف جبران خليل جبران فقد عبّر عن هذا الصراع بلغة تجمع الحكمة بالشعر، حين قال:
«الإنسان الحر لا يبيع قلبه، وإن اضطر أن يغادر، يغادر بحبّ ووفاء لما هو صادق فيه».
بين هذه الأصوات المتباعدة في الجغرافيا ، المتّفقة في الجوهر، يتأكد أن الرحيل ليس نقيض الانتماء، بل أحد أشكاله العميقة، حين يصبح البقاء مشاركةً صامتة في الخطأ، وحين تغدو المغادرة محاولة أخيرة للنجاة بالقيم.
الأرض بريئة دائمًا، لكن ما يثقلها هو سوء الإدارة الأخلاقية للسلطة، حين تُسلَّم مفاتيح القرار لمن لا يرون في الوطن سوى سلّمٍ للمصالح، وحين يُقصى الصالحون لأنهم لا يجيدون فنون التلوّن. عندها، يصبح البقاء تطبيعًا مع التآكل، ويغدو الرحيل شكلًا من أشكال الاعتراض الهادئ.
نرحل أحيانًا لا كرهًا، بل حرصًا.
نرحل لأننا نؤمن أن القيم لا تُحمى بالصمت،
وأن الكرامة لا تُصان بالتكيّف مع الخطأ،
وأن الإنسان قد يخسر موقعه،
لكنه لا ينبغي أن يخسر نفسه.
فالرحيل، حين يكون حفاظًا على الروح،
ليس نهاية…
بل وقفة ضمير،
وبداية أكثر صدقا ….

الدكتورة نزهة الماموني


شكرًا لأنكِ عبّرتِ عمّا يعجز كثيرون عن قوله. أحيانًا يكون أصعب قرار هو الأكثر نقاءً. كلماتكِ أعادت تعريف الانتماء بشكل مؤلم وجميل في آنٍ واحد.