في زمن أصبحت فيه الوقاحة السياسية تُسوّق ككفاءة، والتهاون في أداء الواجب يُغلّف بلبوس “المرونة”، لم نعد أمام أزمة مؤسسات فقط، بل أمام انحدار أخلاقي مركّب.
نسأل دون خجل: واش الحياء مبقاش؟
هل نحن فعلاً أمام أزمة سياسة؟ أم أمام نخبة هجرت الضمير، فحوّلت مؤسسات الدولة إلى منابر للتفاوض على الامتيازات بدل صيانة الأمانات؟
لقد وجّه ملك البلاد رسائل قوية، واضحة، تؤكد ضرورة استمرار المسؤولين في التواصل مع المواطنين، والاستماع لانشغالاتهم، والحرص على تلبية مطالبهم المشروعة.
ورغم ذلك، ما زال بيننا من يرى في النيابة البرلمانية مجرد امتياز وحصانة، لا مسؤولية ومساءلة. برلمانيون وبرلمانيات يتعاملون مع المهام الميدانية كعبء، ويكتفون بأسئلة شفوية في قضايا تحتاج إلى لجان تقصي حقائق، ومتابعة مباشرة في الميدان. وكأن الواحد منهم يقول لمن أوصله لقبة البرلمان: “ها أنا طرحت السؤال… شفت راني خدام معك!” وكأن هذا التصرف يكفي لإسكات الشعب عن المطالبة بحقوقه.
أما من ظل أو ظلت غائبة لشهور، أو سنوات، ثم ظهرت فجأة مع اقتراب الانتخابات، ناشرة صورها على مواقع التواصل، فهي رسالة صريحة عن استثمار سياسي انتخابي أكثر من اهتمام فعلي بالمواطن وقضاياه. الإعلام الذي يفترض أن يكون منبرا للمصداقية، أصبح في بعض الحالات أداة هزلية للترويج لأجندات شخصية، متاجرا بمعاناة الشعب، بدل الدفاع عن مصالحه.
فهل بهذا الشكل يُمارس التمثيل الديمقراطي؟ أم أن الأمر مجرد استثمار انتخابي للمرحلة القادمة؟
لقد نبه ملك البلاد أكثر من مرة إلى أن بعض الممارسات الإدارية والسياسية لا ترتقي إلى مستوى المسؤولية المنتظرة، وأنها قد تعيق تقدم البلاد وتضعف الثقة بين المواطن والدولة.
الأخطر من ذلك، ما لا يُقال علناً: هناك فئة داخل الإدارة والسياسة تمارس نوعاً من المعارضة الخفية لتوجهات الدولة، لا تعترض مباشرة، لكنها تعطّل، وتُفرغ البرامج من مضمونها، وتتذرع بالمساطر والعراقيل الإدارية، فتبدو الأمور وكأنها قانونية، في حين هي في الحقيقة خيانة مؤلمة لواجب الوطنية.
هذه الظاهرة أخطر أشكال التمرد داخل الدولة، وأشد ضرراً من أي استعمار عسكري سابق، لأنه استعمار ناعم، يمارس تحت عباءة مسؤول فاسد، يعيق تنفيذ السياسات العمومية ويزرع اليأس في نفوس المواطنين.
اليوم، لا نواجه مجرد تراجع أداء، بل تمييع ممنهج لفكرة الوطن وقيمه، وللقضايا الإنسانية والاجتماعية. أصبح كثير من الشباب، حين يضيق بهم الوطن كما يرونه، يلجؤون إلى قوارب الموت وكأنها طوق نجاة. قوارب مهترئة، بلا بوصلة ولا وعد، لكنها في خيال اليائس أرحم من انتظار بلا أفق، ومن مؤسسات صمّاء لا تسمع، ونخب لا ترى إلا نفسها. هؤلاء الشباب لا يفرّون من الوطن، بل يفرّون من الإقصاء، من الإهانة اليومية، ومن شعور قاتل بأن لا أحد يمثّلهم حقًا، ولا أحد يحاسب من خانهم باسم المسؤولية.
إن من يركب قارب الموت لا يختار البحر حبًا فيه، بل لأن البرّ أُغلق في وجهه. وهنا تحديدًا يجب أن يُقال بوضوح: قارب النجاة ليس البحر، بل العدالة.
العدالة التي تعيد للشباب الإحساس بأن لهم مكانًا في هذا الوطن، وأن البقاء فيه فعل كرامة لا مجرّد انتظار موجع.
هذا الوطن لا يُبنى بالخُطب ولا بالوعود، بل بالأيادي النظيفة التي لا ترتجف أمام الفساد، وبالضمائر التي لا تساوم على المصلحة العامة. وإن بدا دم الخونة طاغياً، فإن دم الأحرار يسري بصمت، يتلمس طريقه بحذر، لكنه لا يتوقف عن البحث عن شرايين تعيد الحياة لهذا الوطن الجريح.
فالكرسي البرلماني ليس درعاً، والتمثيل ليس لقباً. ومن لا يقدر الوطن، لا يستحق الحديث باسمه.
الوطن بحاجة إلى أناس لا يختبئون خلف المناصب، بل يواجهون المسؤولية بشجاعة، ويجعلون العدالة شعار كل عملهم، فبهما وحدهما يبقى الوطن حيّاً وكرامته مصانة.
الدكتورة نزهة الماموني

