في عام 2025، خيّم الحزن على المشهدين الفني والثقافي في العالم العربي مع رحيل عدد كبير من القامات التي شكّلت وجدان الجمهور وأسهمت في بناء ذاكرة إبداعية مشتركة عبر المسرح والسينما والموسيقى والدراما. كان عامًا استثنائيًا في حجم الخسارات، إذ غابت أسماء تركت أعمالها أثرًا ممتدًا يتجاوز حدود الزمن، واختلفت مسارات رحيلها بين المرض والحوادث والجرائم، بينما ظل حضورها الإنساني والفني حاضرًا في الوعي الجمعي.
مع نهاية دجنبر، أُسدلت الستارة على مسيرة المخرج المصري داود عبد السيد، أحد أبرز المجددين في السينما العربية، الذي رحل عن 79 عامًا بعد صراع مع الفشل الكلوي، تاركًا خلفه أفلامًا حملت أسئلة فلسفية عميقة. وفي التوقيت نفسه تقريبًا، فقدت الساحة الفنية الفلسطينية والعربية الفنان محمد بكري، الذي ارتبط اسمه بالقضية الفلسطينية، ورحل عن 72 عامًا بعد أزمة صحية مفاجئة، منهياً مسيرة فنية ذات طابع نضالي واضح.
وتوالت الخسارات في مصر برحيل الممثل والمؤلف طارق الأمير بعد أزمة صحية طويلة، وغياب الممثلة سمية الألفي، إحدى نجمات جيل الثمانينيات، بعد صراع مرير مع السرطان. كما ودّع الوسط الفني السوداني أحد رموزه البارزين، المطرب والباحث في التراث عبد القادر سالم، الذي ترك بصمة لا تُمحى في الأغنية السودانية.
ولم تكن جميع الوفيات طبيعية، إذ شهد العام وقائع مأساوية هزّت الرأي العام، من بينها مقتل الممثل المصري سعيد مختار إثر شجار عنيف، ووفاة مدير التصوير تيمور تيمور غرقًا أثناء محاولته إنقاذ طفله، إضافة إلى جريمة قتل الفنانة السورية ديالا صلحي الوادي داخل شقتها في دمشق، في حادثة صادمة للوسط الفني.
وعلى امتداد الجغرافيا العربية، غابت أسماء مؤثرة من الجزائر، حيث رحلت أيقونة الكوميديا “بيونة”، ومن تونس التي فقدت المخرج محمد علي بالحارث والممثلة إيناس النجار ومغني الراب كافون، ومن المغرب الذي ودّع فنانين تركوا أثرًا كبيرًا في المسرح والغناء والتمثيل، من بينهم نعيمة بوحمالة، ومحمد الشوبي، ونعيمة سميح، وعازف الرباب الأمازيغي الحسن بلمودن.
أما لبنان، ففقد واحدًا من أكثر فنانيه تأثيرًا، الموسيقي والمسرحي زياد الرحباني، الذي صنع أسلوبًا فنيًا متفردًا جمع بين السخرية والعمق النقدي. وفي العراق، توالت الخسارات برحيل أسماء بارزة في المسرح والدراما، مثل إياد الطائي، وإقبال نعيم، وغزوة الخالدي، إضافة إلى المخرج محمد شكري جميل، ما شكّل فراغًا واضحًا في المشهد الثقافي العراقي.
وامتدت الأحزان إلى فلسطين، حيث استشهدت الممثلة ابتسام نصار جراء قصف إسرائيلي استهدف مكان نزوحها في قطاع غزة، وإلى سوريا التي ودّعت عددًا من رموزها، بينهم فدوى محسن، وأديب قدورة، وسمر عبد العزيز، والباحث الموسيقي سعد الله آغا القلعة. كما غاب الفنان السعودي محمد الطويان بعد مسيرة تجاوزت نصف قرن، ورحل الفنان الكويتي عبد العزيز الحداد بعد معاناة طويلة مع المرض.
هكذا انقضى عام 2025، مثقلًا برحيل أسماء صنعت الوعي والفرح والجمال، وخلّفت فراغًا إنسانيًا وفنيًا عميقًا، لكنه فراغ تحرسه أعمال خالدة ستبقى شاهدة على مرحلة ثرية من تاريخ الإبداع العربي.
طنجة الأدبية

