الرئيسية ⁄ أخبار ⁄ قراءة في المجموعة الشعرية «يستبد بالحديقة الفراغ» للشاعر علي أزحاف

قراءة في المجموعة الشعرية «يستبد بالحديقة الفراغ» للشاعر علي أزحاف

صدر للشاعر المغربي علي أزحاف مجموعة شعرية عنونها ب»يستبد بالحديقة الفراغ» عن دار روافد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2016م، وهي تتكون من مائة وإحدى عشر نصا، منها ستة عشر نصا، عنونت بصيغ فعلية تنزاح عن المألوف والمعتاد أحيانا، وتعبر عن مقتضى الحال أحيانا أخرى، ومقصدية المؤلف من ذلك هو عقد صلة بالواقع من أجل البوح والكتابة، لكنها سرعان ما تنفصل عن الواقع بمجرد استشراف اللغة الشعرية الانزياحية الهلامية التي تنفلت من الواقع والوجود على حين غرة.

إن الذات الشاعرة تتصل بالواقع على مستوى اللغة، وتنفصل عنه في الآن ذاته حينما تركب غواية اللغة الانزياحية. ومن ثمة فإن ثنائية الاتصال والانفصال تتجلى في الثيمات الذاتية المهيمنة على مساحات المقول الشعري. وهي ثيمات اختزلها في عناوين دالة: أسطورة، تجربة، لمعة، خجل، اجترار، تحول، خطوات، اشتياق، ورقة، عبور، نجمة، زهد، فكرة، وفاء، وداع، رجع، شظايا، رحيق، وهن، ضياع، غربال، اختمار، قنبلة، بياض، نجوم، عزاء، طرقات، رجاء، مقابسات.

يتبدى من خلال هذه الثيمات/العناوين التي تشكل الثلث من مجموع المتن المشكل لهذه المجموعة الشعرية أنها صيغت في شكل نكرات، وهي عناوين رومانسية غنائية، تتمركز على الذات كقوى فاعلة تعين الشاعر على الاتصال برغبات الذات ونزواتها، واستيهاماتها، والاستمتاع بلحظات الهدوء والاستكانة، والتي لا تدوم طويلا  فتنفصل عنها الذات الشاعرة مستحضرة منعرجات الواقع، وجبروته، وعناده.

نقرأ في الصفحة السابعة عشر مقطعا شعريا بعنوان «قبلة»

«القبل الأولى

حب منتظر.

القبلة الثانية

مسألة فيها نظر.

القبلة الثالثة،

جريمة لا تغتفر»

إن الذات الشاعرة في محاورتها للغة الانزياحية تحيى على مفارقة الاتصال والانفصال.

الاتصال بالمرأة المثالية المتخيلة، والانفصال عنها في الآن ذاته، على مستوى اللغة المنفتحة على تخوم الذات المتموجة والمنفعلة، ويمكن التدليل على ذلك بما يلي:

الاتصال: القبلة الأولى vs حب منتظر؛

الانفصال: القبلة الثانية vs مسألة فيها نظر؛

الانفصال: القبلة الثالثةvs  جريمة لا تغتفر.

إن الذات الشاعرة كيان متحرر(الاتصال)، وهي في الوقت نفسه ذات مقيدة بقوى فاعلة عتيدة وعنيدة (الأعراف، التقاليد. . . . )، وهنا تكون الذات إزاء حالة الانفصال.

نقرأ في الصفحة الثانية بعد المائة مقطعا شعريا بعنوان (إعجاب):

«أعجبت بك

بشعرك

بلغوك

بحزنك اللامتناهي.

وحين انحنيت

أسفل الربوة

الربوة المعشوشبة،

وقطفت الوردة،

التي كانت بلون شفتيك،

أيام الصبا، شبكت الوردة

وراء أذنك اليمنى»

إنه يراود اللغة الشعرية الانزياحية، لتتفتح قريحته نصوصا شعرية مائزة، محبوكة بعناية فائقة، تحمل بصمة الشاعر المتألق دوما، وتنطوي على هم أنطولوجي، إنساني، يتماهى مع قضايا العصر وأسئلته الحارقة في زمن العشق والزهد، والخمر، والخبز، وسقوط الشمس العارية، ونهاية النهار، والموت الذي لا يرحل، ومغادرة الذات الشاعرة لتتعرف على ذاتها، وزمن رحيل العصافير، والتيه صباحا مع المطر وتذكر الوداع، والوفاء، والرجع، واستمرار التعب.

إنها لغة شعرية تغترف من الذات لتعيد تشكيل الكؤوس رويدا مسافرة في شظايا الحزن بخطى الأنا الجمعي، وما تنطوي عليه من رحيق، ووهن، في أنا الليل.

شعرية اللغة في هذا السجل الشعري سفر دائم بين متاهات اللغة، ومخاض المجاز على متن الضياع والاختمار وبعض الحياة التي قد تتحول إلى جثة أو إعجاب بنبيذ أو سيدة جميلة. ولغة المجاز الانزياحية أثثت أماكن، بعضها مألوف لدى الشاعر، وبعضها الآخر علق في ذاكرته من خلال قراءاته العاشقة لجمالية المكان وشاعريته.

إنها أماكن تندغم مع الذات الشاعرة إلى حد التماهي، فأصبح جزءا منه بحيث لا يقوى على مفارقتها، لأنه مفتون بسحر الكلمة المولدة لاستيطيقا المكان، أو شعرية الفضاء. (البحر، القلب، وردة الحقل، القرية الأولى، الحسيمة، حافة الحزن. . . . ). ومن خلال هذه الاستيتيقا، يحاور سحر الكلمة، فتتحول على لسانه إلى فضاء يختزل أماكن شعرية بهية (مدينة روميو وجولييت، فيرونا، قبر الغريق، تحت الضوء، ممرات الحدائق، الأرض، السماء، بين سطور الكتب السماوية، جذع الحزن. . . . )، هذه الأماكن التي يتفنن الشاعر في إعادة بنائها في حوار عميق، ورصين، مع الكلمة الشعرية في علاقتها بالأنساق الثقافية والفكرية التي تشكلت فيها هذه الكلمة، فقد جعل منها أداة طيعة أسعفته إل حد كبير على السفر في عوالم شعرية لا حصر لها.

إن الذات الشاعرة تتصل بدواخلها، عبر المونولوج المستبطن متقمصة ضمير المتكلم تارة، وضمير المتكلم الجمع أحيانا أخرى، ومقصديتها في ذلك تكمن في العزف على تقاسيم تضبط إيقاع الهايكو، وموسيقى اللغة الانزياحية التي تزج بها في مغبة الاتصال والانفصال؛ اتصال بعالم الرغبة والمتعة والعمر الجميل، وانفصال عن عوالم الذات، ومنعرجات عالم الطبيعة، وإثبات الوجود بعد الوجود، وهذا ما يتبدى على الأقل من خلال بعض التيمات/الموضوعات التي انتظمت في حقلين دلالين: الذات كمقابل موضوعي للذات الشاعرة، والطبيعة (المكان)

كجزء لا يتجزأ من هذا المقابل الموضوعي.

إن ثنائية الاتصال والانفصال قد تحكمت إلى حد ما في مد جسور التواصل بين الذات الشاعرة واستتيقا المكان والزمان. فكل نص في الديوان يأسر العقل والوجدان، لأنه يحيل عبر اللغة الشعرية وتفاعلاتها التخييلية على صراعات مجتمعية لا يأبه بها الشاعر كثيرا، وهذا ما يتجلى في الجمل التي وظفها الشاعر، حيث يستوي عود الجمل الاسمية على حساب الجمل الفعلية. . ولا غرو، فهذه التجربة الشعرية تتباهى بمخاضات العشق إلى أبعد مدى، وكأني بالذائقة الشعرية تعلي من قيمة القريض، وتعيد الألق والرونق للكلمة الشعرية الرومانسية، وهو ما يفرض على القارئ أو المتلقي المستمع أن يتحرك في عوالم رومانسية بالطريقة التي تحرك بها المؤلف/الشاعر، وهو يبحث عن علاقات خفية بين الذات والأسطورة، وبين الشعر والمرأة. فالقارئ ملزم أولا وأخيرا بأن يتمتع بقدرة توليدية وتأويلية للمعاني والأفكار، والأخيلة.

ومن بين المقاطع الشعرية التي تستلزم قدرة تأويلية من قبل القارئ، تلك المصاغة بلغة شعرية تنزاح عن المألوف والمعتاد.

نقرأ في الصفحة السابعة والسبعين من المجموعة الشعرية ما يلي:

«ويستمر التعب

ساكنا تجاويف القلب

وخلايا الدماغ التالفة

ساخرا هازئا

من أحلامنا والذكريات

يرقص نشوانا».

إن التنبؤ بمسارات اللغة الشعرية أمر موكول إلى القارئ النموذجي الذي عليه أن يختار نمط الموسوعة أو السجل (تجاويف القلب، خلايا الدماغ، الأحلام، الذكريات، الجماجم، الرفات التلال. . . ) ليتحرك في النص وفق منهجية مضبوطة تعمل على تفكيك اللغة الانزياحية وإعادة بنائها بهدف إعادة التوازن للمستوى التركيبي للجمل الشعرية، والتفاعل بشكل إيجابي مع التنافر والتوتر الحاصلين على المستوى الدلالي.

وبناء على ما سبق فإن مقصدية الذات الشاعرة تتجلى في إدانة الأحلام، والذكريات، والسخرية من التعب الذي يستقر في تجاويف القلب، ومن ثمة فإن اللغة الشعرية الانزياحية قد زودت القارئ المفترض بعوالم شعرية يكتنفها الغموض، وهو ملزم بالتفاعل معها فنيا، ليزيل عنها ما علق بها من لبس وغموض، وينفذ إلى مواطن الحسن والجمال والبهاء.

الدكتور امحمد امحور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *