يستعيد فيلم «البوسطجي» للمخرج المصري حسين كمال حضوره في المشهد السينمائي، مع إدراجه ضمن الأعمال التي يستعد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لترميمها في دورته السابعة والأربعين. وتأتي هذه الخطوة في إطار الجهود الرامية إلى صون ذاكرة السينما المصرية والحفاظ على أفلامها الكلاسيكية، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة بجودة بصرية تواكب قيمتها الفنية والتاريخية.
ويُصنف «البوسطجي»، الذي عُرض لأول مرة سنة 1968، ضمن أبرز الأعمال التي تناولت التوتر بين الفرد والمجتمع، مسلطا الضوء على تأثير الأعراف والتقاليد الصارمة في حياة الأفراد، وما قد تفضي إليه من صراعات إنسانية ونهايات مأساوية. ويستند الفيلم إلى رواية تحمل الاسم نفسه للأديب المصري يحيى حقي، فيما تولى صبري عزت كتابة السيناريو، وأخرج العمل حسين كمال.
وشارك في بطولة الفيلم عدد من الأسماء البارزة في تاريخ السينما المصرية، يتقدمهم شكري سرحان وزيزي مصطفى وصلاح منصور، إلى جانب سهير المرشدي وحسن مصطفى وسيف عبد الرحمن وناهد سمير وإحسان شريف. وقد أسهم الأداء التمثيلي في إبراز الأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصيات، وتعميق الطابع الإنساني للعمل.
وتتمحور أحداث الفيلم حول عباس، الذي يؤدي دوره شكري سرحان، وهو موظف في البريد يُنقل من القاهرة إلى قرية كوم النحل بمحافظة أسيوط. وهناك يجد نفسه في بيئة اجتماعية مغلقة، تحكمها تقاليد صارمة وتطغى عليها الرقابة الاجتماعية، الأمر الذي يزيد إحساسه بالغربة والعزلة، ويجعله عاجزا عن التأقلم مع محيطه الجديد.
ومع تزايد شعوره بالملل والحرمان العاطفي، يلجأ عباس إلى التجسس على رسائل سكان القرية، مستغلا طبيعة عمله للاطلاع على مراسلاتهم الخاصة. وتكشف الرسائل التي يقرأها عن أسرار وعلاقات متشابكة، وتزيح الستار عن تناقضات تختبئ خلف المظاهر المحافظة، لتتطور الأحداث في مسار درامي يضع الشخصيات أمام عواقب الصدام بين الرغبات الفردية والضغوط الاجتماعية.
ولا تقتصر أهمية «البوسطجي» على موضوعه الدرامي، بل تمتد إلى مكانته ضمن أبرز الأعمال التي تركت بصمة في تاريخ السينما العربية. فقد احتل المركز الثاني عشر في قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وفق استفتاء للنقاد، كما جاء في المرتبة الخامسة والثلاثين ضمن قائمة أهم 100 فيلم عربي في استفتاء آخر شارك فيه نقاد سينمائيون.
ومن المنتظر أن يمنح ترميم الفيلم فرصة جديدة للجمهور لمشاهدة هذا العمل الكلاسيكي في صورة تستعيد تفاصيله الفنية، مع إعادة تسليط الضوء على تجربة حسين كمال الإخراجية، وقدرته على معالجة القضايا الاجتماعية بأسلوب سينمائي جريء. كما يمثل استحضار الفيلم مناسبة لتجديد الاهتمام بأداء شكري سرحان وصلاح منصور وزيزي مصطفى، وبالقيمة التي تحتفظ بها الأعمال السينمائية الكلاسيكية في الذاكرة الثقافية المصرية والعربية.
طنجة الأدبية

