كشفت أعمال التنقيب الأثري في باحة مستشفى «أوتيل ديو» التاريخي، الواقع بالقرب من كاتدرائية نوتردام في باريس، عن أدلة مادية يُعتقد أنها تعود إلى حصن «لوتيتيا» الغالي، في اكتشاف قد يضع حداً لجدل استمر طويلاً بين الباحثين حول الموقع الفعلي للتحصين الذي ارتبط بتاريخ باريس القديم.
ويرتبط الحصن بمرحلة حاسمة من تاريخ المنطقة تعود إلى عام 52 قبل الميلاد، حين قاد يوليوس قيصر حملته العسكرية على بلاد الغال ضمن سلسلة من الحروب التي انتهت بإخضاع أجزاء واسعة من المنطقة للسيطرة الرومانية.
وتكتسب الاكتشافات الجديدة أهميتها من توافق عدد من الأدلة الأثرية مع الروايات التي وردت في مؤلفات قيصر حول تلك المرحلة. فقد عثر الباحثون على جدران تحمل آثار احتراق، إلى جانب بقايا بذور متفحمة وأجزاء من مبنى خشبي تعرض للتدمير الكامل بفعل النيران.
وتشير هذه المعطيات إلى احتمال أن سكان المدينة من قبيلة «الباريسي» الغالية أقدموا على إحراق أجزاء من عاصمتهم وتدمير الجسور المؤدية إليها، في محاولة لمنع القوات الرومانية من الاستفادة من المنشآت القائمة، وذلك في سياق ما يعرف بسياسة الأرض المحروقة، عقب المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة.
ويبلغ طول الجزء المكتشف من التحصين نحو 20 متراً، ووجد في جزيرة «إيل دو لا سيتي» وسط نهر السين، وهي المنطقة التي ارتبط اسمها بتاريخ نشأة باريس. ويتميز البناء بخصائص معمارية تتوافق مع نمط التحصينات الغالية القديمة المعروف باسم «الأوبيدوم»، والذي كان يعتمد على استخدام كتل حجرية كبيرة تدعمها عوارض خشبية متشابكة لتشكيل جدران دفاعية قوية.
وقالت دوروثي شاوي-ديريو، كبيرة أمناء التراث في دائرة الآثار الإقليمية، إن طبيعة البناء وطريقة تشييده تحملان سمات واضحة للتحصينات الغالية، وهو ما تعزز لاحقاً بنتائج التحاليل العلمية التي أجريت على العناصر الخشبية المكتشفة في الموقع.
وأظهرت تحاليل الكربون المشع «كربون 14» أن المواد الخشبية تعود إلى فترة زمنية تمتد تقريباً بين عامي 200 و10 قبل الميلاد، وهي فترة تتوافق مع وجود تجمعات غالية في المنطقة قبل الغزو الروماني.
كما عثر علماء الآثار على رأس رمح غالي عند قاعدة أحد الجدران الدفاعية، ما يوفر دليلاً أثرياً إضافياً على طبيعة الموقع العسكرية، ويدعم الفرضية التي تربط هذه المنشآت بالتحصينات التي كانت تحمي لوتيتيا، الاسم الذي كانت تعرف به المدينة في العصر الغالي والروماني القديم.
ويفتح هذا الاكتشاف المجال أمام إعادة قراءة تاريخ باريس في الفترة السابقة للسيطرة الرومانية، كما يوفر للباحثين أدلة مادية جديدة يمكن أن تساعد في فهم طبيعة التحصينات التي أقامتها قبيلة الباريسي ودورها خلال المواجهة مع الجيوش الرومانية.
طنجة الأدبية

