تختتم المونودراما المصرية «الوصول» مسارها المسرحي بصرخة تحمل دلالات الولادة والانبعاث، بعدما ظلت شخصيتها الرئيسية طوال العرض أسيرة الصمت. فمن الصرخة التي تفتتح الحكاية إلى تلك التي تنهيها، تعتمد المخرجة والممثلة هند نعمان على الجسد والصوت والحركة لبناء عالم مسرحي مكثف، تظهر فيه الشخصية برأس حليق وملامح مطموسة وجسد يبدو منقسماً إلى نصفين، متنقلة بين الضوء والظلال في محاولة مستمرة للتحرر من قوة غامضة وغير مرئية.
وقد اختيرت «الوصول» لافتتاح فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان الإسكندرية المسرحي الدولي «مسرح بلا إنتاج»، الذي انطلقت فعالياته الأحد الماضي وتتواصل حتى السبت المقبل، وتحمل دورته الحالية اسم الفنان محمد سعد.
وأثار اختيار اسم أحد أبرز نجوم السينما المصرية لتسمية دورة مخصصة للمسرح تساؤلات لدى بعض المتابعين، خصوصاً في ظل ارتباط محمد سعد في أذهان الجمهور بأدواره السينمائية الكوميدية. غير أن مسيرته الفنية تتضمن حضوراً مسرحياً امتد لسنوات، وقدم خلالها مجموعة من العروض التي حققت انتشاراً جماهيرياً، من بينها «علي بابا» و«اللمبي في الجاهلية» و«فوق كوبري ستانلي» وغيرها. ويأتي تكريم سعد ضمن تقليد اعتمده المهرجان خلال دوراته الأخيرة، بعدما حملت دورات سابقة أسماء فنانين من بينهم أحمد رزق وأحمد السقا ومحمد هنيدي.
ومنذ تأسيس المهرجان عام 2008 على يد المخرج جمال ياقوت، ارتبطت التظاهرة بفكرة توفير مساحة للعروض التي لا تعتمد على إمكانات إنتاجية ضخمة. وكانت البداية من خلال ورشة شارك فيها عدد كبير من المخرجين، قبل أن تتبلور الفكرة في مهرجان يتيح تقديم عروض مسرحية بإمكانات محدودة. وقد شدد ياقوت في تصريحات سابقة على ضرورة التمييز بين مفهوم «المسرح الفقير» ومهرجان «مسرح بلا إنتاج»، موضحاً أن الهدف لم يكن تحويل قلة الموارد إلى جمالية فنية بحد ذاتها، وإنما البحث عن آليات تمكن الفنانين من إنجاز عروضهم رغم محدودية الإمكانات.
وخلال دورته السادسة عشرة، يستقبل المهرجان 16 عرضاً مسرحياً تمثل 15 دولة، من بينها سبعة عروض تنتمي إلى فن المونودراما، في مؤشر على التطور الذي عرفته التظاهرة خلال السنوات الماضية، بعدما انتقلت من فعالية ذات طابع محلي إلى موعد مسرحي يستقطب مشاركات دولية متنوعة.
وتشارك في الدورة الحالية فرق وفنانون من السعودية والأردن ولبنان والسودان وسلطنة عمان وتونس والإمارات والجزائر والمغرب وفلسطين وقطر وفرنسا واليونان وروسيا وأوكرانيا، إلى جانب مصر. ومع هذا التوسع الجغرافي، تغيرت طبيعة التحديات التي تواجه المهرجان؛ فبعدما كان التركيز في بداياته على توفير فرصة للفنانين المحليين الذين يفتقرون إلى التمويل، باتت التظاهرة مطالبة اليوم بالتعامل مع متطلبات تنظيم حدث دولي، بما يشمل استقبال الوفود، واختيار الأعمال، وإدارة لجان المشاهدة والتحكيم، وتوفير فضاءات العرض، فضلاً عن الأنشطة التدريبية والتوثيقية المصاحبة.
وفي هذا السياق، لم يعد شعار «مسرح بلا إنتاج» يحيل بالضرورة إلى غياب أي بنية إنتاجية، بقدر ما أصبح يعكس طبيعة الأعمال المشاركة التي تعتمد غالباً على التجريب والاقتصاد في العناصر المسرحية وتقليص أدوات العرض إلى الحد الذي يخدم الفكرة والأداء.
وتبرز المونودراما بشكل خاص في هذه الدورة بعدما خصص لها المهرجان مسابقة مستقلة للمرة الأولى، وهو توجه ينسجم إلى حد كبير مع طبيعة التظاهرة، نظراً إلى اعتماد هذا النوع المسرحي على ممثل واحد ومساحة محدودة وعناصر إنتاجية أقل مقارنة بالعروض الجماعية. وفي الوقت نفسه، فإن تخصيص مسابقة منفصلة للمونودراما يضع هذا الفن أمام معايير تقييم أكثر تحديداً، بدلاً من التعامل معه بوصفه مجرد شكل من أشكال العرض داخل المسابقة الرئيسية.
وفي إطار البرنامج المصاحب، تستضيف مكتبة الإسكندرية عروض المهرجان يومي 25 و26 سبتمبر الجاري، ضمن أنشطة مركز الفنون، وذلك في القاعة الكبرى بمركز المؤتمرات، مع إتاحة الدخول مجاناً للجمهور ومن دون الحاجة إلى الحجز. ويعكس هذا الخيار جانباً من توجه المهرجان نحو جعل العروض المسرحية متاحة أمام الجمهور، وفتح المجال أمام التجارب التي تعمل خارج دوائر الإنتاج التجاري والمؤسسات الثقافية الكبرى.
وبعد مرور 16 دورة على تأسيسه، بات مهرجان الإسكندرية المسرحي الدولي «مسرح بلا إنتاج» أمام مرحلة مختلفة عن بداياته، إذ لم يعد مجرد مساحة مؤقتة أمام الفنانين الشباب أو أصحاب التجارب محدودة الإمكانات، بل أصبح تظاهرة ذات حضور دولي واتساع متزايد. ومع ذلك، يظل التحدي الأساسي مرتبطاً بقدرته على الحفاظ على الفكرة التي انطلق منها، والمتمثلة في منح التجارب التي لا تحظى بفرص إنتاج كبيرة إمكانية الوصول إلى الخشبة والجمهور. وفي النهاية، تبقى العروض نفسها هي الاختبار الحقيقي لهذه الفكرة، من خلال قدرتها على تحويل محدودية الإمكانات من عائق إنتاجي إلى اختيار فني قادر على بناء تجربة مسرحية متماسكة والتفاعل مع الجمهور.
طنجة الأدبية

