الرئيسيةأخباربشرى بايبانو.. رحلة امرأة مغربية من شغف المغامرة إلى مشروع “القمم السبع”

بشرى بايبانو.. رحلة امرأة مغربية من شغف المغامرة إلى مشروع “القمم السبع”

بشرى بايبانو

وسط الثلوج القاسية والرياح العنيفة، وقفت المتسلقة المغربية بشرى بايبانو فوق أعلى قمم العالم، رافعة العلم المغربي والمصحف الشريف، في مشهد تجاوز حدود الإنجاز الرياضي ليختزل رحلة طويلة من التحدي والإصرار وكسر الصور النمطية. لم تكن تلك اللحظة مجرد تتويج لمسار تسلق جبلي، بل محطة تعكس قصة امرأة اختارت مواجهة الخوف والشك بالإيمان والعزيمة، لتعيد رسم صورة المرأة المغربية في فضاءات المغامرة العالمية.

منذ طفولتها، ارتبطت بشرى بعالم القراءة والكتابة، حيث شكلت الكتب نافذتها نحو اكتشاف العالم، فيما كانت المراسلة بالنسبة إليها وسيلة للسفر عبر الكلمات والأفكار. هذا الشغف المبكر بالمعرفة دفعها لاحقا إلى دراسة الفيزياء والكيمياء بكلية العلوم في الرباط، قبل أن تتخصص في الفيزياء وتغوص في عالم الفلك، الذي منحها نظرة مختلفة للسماء والحياة.

الرياضة كانت بدورها جزءا أساسيا من تكوين شخصيتها، فقد مارست الكاراتيه والجري منذ سنوات الدراسة، ووجدت في النشاط البدني مساحة للحرية وتعزيز الثقة بالنفس. غير أن التحول الحقيقي في حياتها جاء سنة 1995، عندما شاركت لأول مرة في رحلة لتسلق جبل توبقال، أعلى قمة في المغرب. وقتها لم تكن تمتلك أي معرفة بعالم التسلق أو الجبال الكبرى، لكنها كانت مدفوعة بحب المغامرة واكتشاف المجهول.

تلك التجربة الأولى فتحت أمامها بابا جديدا، ليس فقط لاكتشاف الجبال، بل أيضا لاكتشاف ذاتها. ومع مرور الوقت، بدأت تدرك أن تسلق القمم يمثل بالنسبة إليها تحديا مضاعفا، فهي لا تواجه فقط قساوة الطبيعة، بل أيضا الأحكام النمطية المرتبطة بالمرأة داخل مجتمع يعتبر المغامرة مجالا ذكوريا بامتياز.

واصلت بشرى تدريباتها ورحلاتها، قبل أن تتخذ سنة 2011 قرارا سيغير حياتها، عندما توجهت إلى تنزانيا لتسلق قمة كيليمنجارو، أعلى جبل في إفريقيا. هناك ولدت فكرة مشروع “القمم السبع”، الذي يقوم على تسلق أعلى قمة في كل قارة من قارات العالم. ومنذ تلك اللحظة، وضعت هدفا واضحا أمامها: أن تصبح أول مغربية تحقق هذا الإنجاز العالمي.

رحلتها نحو القمم لم تكن سهلة، فقد واجهت ظروفا مناخية قاسية وصعوبات جسدية ونفسية هائلة. ففي الأرجنتين، اضطرتها الأحوال الجوية العنيفة إلى التراجع قبل بلوغ قمة أكونكاغوا، لكنها عادت بعد سنوات ونجحت في تحقيق هدفها. كما خاضت تحديات أخرى في جبال أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، حيث تطلبت بعض الرحلات استعدادا بدنيا وتدريبا مكثفا لعدة أشهر.

أما محطة جبل إيفرست سنة 2017، فكانت التجربة الأكثر تأثيرا في حياتها. هناك، في ما يعرف بـ”منطقة الموت”، واجهت بشرى حقيقة هشاشة الإنسان أمام الطبيعة، بعدما أصبحت على مقربة من الموت وسط نقص حاد في الأوكسجين ومشاهد لجثث متسلقين فقدوا حياتهم في الطريق نحو القمة. تلك التجربة غيرت نظرتها للحياة بالكامل، وجعلتها تدرك قيمة التفاصيل البسيطة التي غالبا ما يمر الناس عليها دون انتباه.

وترى بشرى أن النجاح الحقيقي لا يرتبط بالإمكانيات المادية فقط، بل بالإرادة والإصرار والشغف. كما تؤكد أن الجبل علمها التواضع، ومنحها وعيا أكبر بأهمية ترك أثر إيجابي في حياة الآخرين، خاصة الفتيات اللواتي يسعين إلى تحقيق أحلامهن رغم القيود المجتمعية.

هذا الوعي دفعها إلى توثيق تجربتها في كتاب “طريقي نحو القمة”، الذي لا يقتصر على الحديث عن المغامرات الجبلية، بل يقدم رحلة إنسانية مليئة بالتحديات والشكوك والدروس، ويكشف كيف يمكن للإيمان بالنفس أن يحول المستحيل إلى واقع.

ورغم الإنجازات العالمية التي حققتها، تؤكد بشرى أن أصعب التحديات لم تكن دائما في مواجهة الجبال، بل في مواجهة النظرة التقليدية للمرأة. فقد وجدت نفسها داخل عالم يسيطر عليه الرجال، واضطرت مرارا لإثبات قدرتها على التحمل والمنافسة. لكنها اختارت الرد بالأفعال، إلى أن أصبحت أول امرأة عربية تتسلق قمة أنابورنا في جبال الهيمالايا سنة 2022.

وترى المتسلقة المغربية أن القوة الحقيقية في عالم التسلق ليست قوة جسدية فقط، بل قدرة داخلية على الصبر والتحمل والثبات، وهي صفات تعتبر أن المرأة تمتلكها بامتياز. كما تؤكد أن رفعها للمصحف والعلم المغربي فوق القمم العالمية كان رسالة واضحة تعكس هويتها كامرأة مغربية مسلمة، وتسعى من خلالها إلى تصحيح الصور النمطية عن المرأة العربية والمسلمة في العالم.

وخلف صور النجاح والقمم الشاهقة، تحمل تجربة بشرى تضحيات كبيرة شملت حياتها الشخصية واستقرارها المالي، إذ اضطرت أحيانا إلى الاقتراض لتمويل رحلاتها بسبب غياب الدعم الكافي. وبعد سنوات من العمل كمهندسة دولة بوزارة النقل والتجهيز، قررت سنة 2020 التفرغ لمشاريعها الخاصة في التدريب والتحفيز وتنظيم الرحلات الجبلية، إلى جانب مواصلة مبادراتها الهادفة إلى تمكين الفتيات وتشجيعهن على الثقة بقدراتهن.

في النهاية، لا تختصر قصة بشرى بايبانو في كونها أول مغربية تحقق مشروع “القمم السبع”، بل في كونها امرأة استطاعت أن تحول الجبل إلى مدرسة للحياة، وأن تجعل من المغامرة رسالة أمل وإلهام تتجاوز حدود الرياضة نحو الإيمان بالذات وكسر المستحيل.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *