الرئيسيةأخبارتحول قانوني في باريس يعيد رسم ملف الممتلكات الثقافية المنهوبة

تحول قانوني في باريس يعيد رسم ملف الممتلكات الثقافية المنهوبة

المتاحف الفرنسية

صادق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السبت الماضي، على قانون جديد يعيد صياغة آلية تعامل فرنسا مع القطع الأثرية التي خرجت من مستعمراتها السابقة خلال الحقبة الاستعمارية، في خطوة تُعدّ تحولاً مهماً في ملف استعادة الممتلكات الثقافية. ولا ينص القانون على إعادة آثار محددة بحد ذاتها، لكنه يزيل عقبة قانونية رئيسية كانت تعرقل هذه العملية، والمتمثلة في اعتبار مقتنيات المتاحف الفرنسية جزءاً من الملك العام غير القابل للتصرف إلا عبر تشريع خاص لكل حالة على حدة. ويأتي هذا التطور بعد تسع سنوات من التعهد الذي أطلقه ماكرون، ما يعكس حجم التعقيدات القانونية والسياسية التي أحاطت بالملف.

وتعود بداية هذا المسار إلى عام 2017، عندما أعلن ماكرون في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو رغبته في فتح صفحة جديدة مع الدول الإفريقية التي استعمرتها فرنسا، متعهداً بإعادة الأعمال الفنية المنهوبة خلال تلك الفترة. غير أن هذا الطموح اصطدم بمنظومة قانونية فرنسية صارمة تقوم على مبدأ حماية “الملك العام”، ما جعل إعادة أي قطعة متحفية تتطلب مساراً تشريعياً طويلاً ومعقداً. ويغيّر القانون الجديد هذا الواقع عبر منح السلطة التنفيذية صلاحية إخراج القطع من الملك العام بمرسوم إداري مباشر، دون الحاجة إلى المرور بالبرلمان في كل مرة، وهو تعديل يبدو إجرائياً في ظاهره لكنه يُحدث تحولاً جوهرياً في آلية الاسترداد.

ويُحدد القانون نطاق تطبيقه بالقطع التي اعتُبرت منهوبة خلال الفترة الممتدة من 20 نوفمبر 1815 إلى 23 أبريل 1972، أي من بداية التوسع الاستعماري الفرنسي الحديث وحتى دخول اتفاقية اليونسكو الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية حيز التنفيذ. ويقوم على خمس مواد رئيسية، تبدأ بكسر مبدأ عدم قابلية التصرف في مقتنيات المتاحف الوطنية، بحيث تصبح القطع المكتسبة بطرق غير مشروعة قابلة لنقل الملكية. غير أن هذا الإطار يظل مقيداً بشروط، من بينها ضرورة موافقة الجهات المحلية أو البلدية إذا كانت القطعة غير تابعة للدولة المركزية، إضافة إلى إلزام الحكومة بنشر قائمة سنوية بالقطع المشبوهة من حيث طريقة اقتنائها، في خطوة تعزز الشفافية وتستجيب لمطالب دول عديدة.

وعلى الرغم من أن بعض عمليات الاسترداد تمت في السنوات الماضية، مثل إعادة 26 قطعة إلى بنين وسيف الحاج عمر إلى السنغال عام 2020، إضافة إلى إعادة الطبل المقدس “دجيدجي أيوكوي” إلى ساحل العاج مطلع 2026، فإن هذه الخطوات ظلت تتطلب إجراءات تشريعية خاصة في كل مرة. ويُفترض أن يحول القانون الجديد هذه العمليات إلى إجراءات إدارية أكثر سلاسة. وقد لقي القانون ترحيباً دولياً، من بينها إشارات إيجابية من الصين التي تربطها أيضاً مطالب تاريخية بقطع نُهبت خلال القرن التاسع عشر.

ويأتي هذا التطور في سياق أوروبي أوسع يشهد إعادة تقييم للإرث الاستعماري، حيث اتخذت ألمانيا خطوات مماثلة عبر إنشاء آليات لاسترداد الممتلكات الثقافية، وأعادت بالفعل أكثر من 1100 قطعة من برونزيات بنين إلى نيجيريا عام 2022. ومع ذلك، لا تزال المتاحف الأوروبية الكبرى تحتفظ بملايين القطع الأثرية، من بينها نحو 80 ألف قطعة في المتحف المصري ببرلين، وما يقارب 100 ألف قطعة في المتحف البريطاني، وسط جدل مستمر حول شرعية اقتنائها.

وبين هذا الحراك المتزايد، يبدو أن القانون الفرنسي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في التعامل مع الإرث الاستعماري، لكنه يظل رهيناً بالإرادة السياسية لفرنسا في تحويل النصوص القانونية إلى عمليات استرداد فعلية، وهو ما سيحدد في النهاية حجم التحول الحقيقي في السنوات المقبلة.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *