الرئيسيةأخباركوثر بن هنية ترفض جائزة برلين: “السلام ليس عطرًا يُرشّ فوق العنف”

كوثر بن هنية ترفض جائزة برلين: “السلام ليس عطرًا يُرشّ فوق العنف”

كوثر بن هنية المخرجة التونسية لفيلم "صوت هند رجب"

في لحظة كان يُفترض أن تكون تتويجًا فنيًا واحتفاءً بعمل سينمائي حاز إشادات دولية، تحوّل مسرح مهرجان “السينما من أجل السلام” في برلين إلى منصة مواجهة أخلاقية وسياسية، بعدما أعلنت المخرجة التونسية كوثر بن هنية رفضها استلام جائزة “أكثر فيلم قيمة” عن فيلمها الوثائقي “صوت هند رجب”. لم يكن قرارها احتجاجًا عابرًا، بل موقفًا مدروسًا ربطت فيه بين معنى السلام، وحدود الفن، وضرورة المساءلة عن الجرائم المرتكبة في غزة.

لحظة رفض تتجاوز البروتوكول

اعتلت كوثر بن هنية المنصة وهي تدرك أن ما ستقوله سيحوّل أجواء الحفل. بدأت كلمتها بعبارة دالة:

“أحتاج إلى القراءة، لأن جائزة أفضل فيلم لهذا العام أكبر مما أستطيع تحمّله… الليلة أشعر بالمسؤولية أكثر مما أشعر بالامتنان.”

منذ الجملة الأولى، بدا واضحًا أن التكريم لن يُختتم بصورة تذكارية معتادة. أكدت بن هنية أن فيلمها لا يتناول “طفلة واحدة فقط”، بل “النظام الذي جعل قتلها ممكنًا”، في إشارة إلى الطفلة الفلسطينية هند رجب، ذات الأعوام الستة، التي قُتلت في قطاع غزة مطلع عام 2024.

القصة التي هزّت الضمير العالمي

يروي فيلم “صوت هند رجب” قصة الطفلة التي كانت داخل سيارة مع أفراد من عائلتها في غزة عندما استُهدفت المركبة. استشهد أقاربها على الفور، فيما بقيت هند عالقة بين الجثث، تحاول النجاة.

تواصلت الطفلة هاتفيًا مع طواقم الإسعاف طالبة النجدة، لكن طاقم الإغاثة الذي توجه لإنقاذها تعرّض بدوره للاستهداف. وبعد 12 يومًا من الحادثة، عُثر على جثمانها.

تقول بن هنية إن ما حدث “ليس استثناءً”، بل “جزء من إبادة جماعية”. وهي عبارة حملت ثقلًا سياسيًا وقانونيًا واضحًا في قاعة تضم شخصيات فنية وسياسية دولية.

خلفية الأزمة: تكريم ضابط إسرائيلي سابق

جاء موقف المخرجة التونسية بعد أن كرّم القائمون على المهرجان في الليلة ذاتها نوعام تيبون، الجنرال الإسرائيلي السابق، بوصفه الشخصية المحورية في الوثائقي الكندي “الطريق بيننا”، تقديرًا لما وُصف بـ”إنقاذه أسرته” خلال أحداث السابع من أكتوبر 2023.

رأت بن هنية أن الجمع بين تكريم فيلم يتناول مقتل طفلة فلسطينية، وتكريم ضابط إسرائيلي سابق، يخلق مفارقة أخلاقية لا يمكن تجاهلها. واعتبرت أن المهرجان قدّم “غطاءً سياسيًا” لما وصفته بالإبادة، من خلال “إعادة تأطير القتل الجماعي للمدنيين بوصفه دفاعًا عن النفس، وبوصفه ظروفًا معقّدة”.

“السلام ليس عطرًا يُرشّ”

الجملة التي تحوّلت سريعًا إلى عنوان رئيسي في الصحافة الدولية كانت قولها:

“السلام ليس عطرًا يُرشّ فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي، وكي تشعر بالراحة.”

بهذه العبارة، وضعت بن هنية تعريفًا حادًا للسلام، رافضة اختزاله في خطاب تجميلي يتجاهل العدالة. وأضافت:

“إذا تكلّمنا عن السلام، فعلينا أن نتكلّم عن العدالة. والعدالة تعني المساءلة… من دون مساءلة، لا سلام.”

لم تكن كلماتها خطابًا انفعاليًا، بل بيانًا سياسيًا أخلاقيًا يربط الفن بالمسؤولية، والسينما بالمحاسبة، والجوائز بالموقف.

الفن بين التجميل والمساءلة

تقول بن هنية بوضوح:

“السينما ليست تبييضًا بالصور.”

بهذه العبارة، رفضت أن يتحوّل الفن إلى أداة تجميل للواقع أو غطاء أخلاقي لسياسات قائمة. وأكدت أن موت هند رجب والمسعفين اللذين حاولا إنقاذها لا يمكن أن يكون “مجرد خلفية لخطاب مهذّب عن السلام”.

هذا الموقف يعيد طرح سؤال قديم: هل يمكن للفن أن يكون محايدًا في زمن المجازر؟ أم أن الحياد ذاته يتحوّل إلى موقف سياسي؟

سياق أوسع: الحرب على غزة

جاءت حادثة هند رجب في سياق الحرب التي اندلعت عقب عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، والتي أعقبها هجوم إسرائيلي واسع على قطاع غزة بدعم أميركي.

ووفق الأرقام المتداولة، خلّفت الحرب أكثر من 72 ألف شهيد، وما يزيد عن 171 ألف جريح، إضافة إلى دمار طال نحو 90% من البنى التحتية، مع تقديرات أممية لإعادة الإعمار تصل إلى 70 مليار دولار.

ضمن هذا السياق، تصف بن هنية ما يجري بأنه “إبادة جماعية”، وترى أن تجاهل هذا التوصيف أو إعادة صياغته تحت مسميات أخرى يُعد تواطؤًا.

جائزة تُترك كتذكير

في ذروة كلمتها، أعلنت:

“هذه الليلة، لن آخذ هذه الجائزة إلى بيتي. أتركها هنا كتذكير.”

لم يكن رفضها إلغاءً للتكريم بقدر ما كان تعليقًا أخلاقيًا عليه. وأوضحت أنها ستعود لقبول الجائزة “عندما يُسعى إلى السلام بوصفه التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، متجذرًا في المساءلة عن الإبادة الجماعية”.

بهذا، تحوّلت الجائزة نفسها إلى رمز: ليست مكافأة فنية فحسب، بل اختبارًا لمصداقية خطاب السلام.

مسيرة فيلم حصد الجوائز

“صوت هند رجب” هو إنتاج تونسي-فرنسي مشترك، وسبق أن فاز بجائزة “الأسد الفضي” في مهرجان البندقية السينمائي الدولي في دورته الثانية والثمانين.

نجاح الفيلم في مهرجانات كبرى يعكس قدرته على تحويل مأساة فردية إلى شهادة إنسانية كونية. غير أن موقف بن هنية في برلين أضاف بعدًا جديدًا للفيلم، إذ لم يعد العمل مجرد وثيقة سينمائية، بل صار جزءًا من معركة سردية حول تعريف العدالة والذاكرة.

بين الرمزية والسياسة

قرار الرفض يفتح باب النقاش حول دور المهرجانات السينمائية الدولية:
هل يمكنها أن تفصل بين التكريم الفني والسياق السياسي؟
وهل تكريم شخصيات عسكرية بالتوازي مع أعمال توثّق مآسي مدنيين يخلق تناقضًا أخلاقيًا؟

كوثر بن هنية أجابت عمليًا: لا يمكن الحديث عن السلام بمعزل عن العدالة، ولا يمكن للفن أن يكون ستارًا.

أثر الموقف

انتشر فيديو كلمتها بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأثار جدلًا واسعًا بين مؤيدين اعتبروا موقفها شجاعًا، ومنتقدين رأوا فيه تسييسًا لمنصة فنية.

لكن المؤكد أن لحظة رفض الجائزة أعادت تسليط الضوء على قصة هند رجب، ومنحت الفيلم حضورًا أبعد من حدود قاعات العرض.

السينما كوثيقة وذاكرة

في النهاية، لا يبدو أن بن هنية كانت تسعى إلى صدام بقدر ما كانت تسعى إلى تثبيت معنى: أن الذاكرة ليست قابلة للمساومة، وأن الجوائز لا تعلو على الضمير.

رفضها لم يكن إنكارًا لقيمة الجائزة، بل تأكيدًا على أن القيمة الحقيقية تكمن في العدالة. وبين التصفيق والجدل، بقيت الجائزة في مكانها، كتذكير بأن السلام – كما قالت – لا يُرشّ عطرًا فوق العنف، بل يُبنى على المحاسبة.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *