«بيتُ الكينونة»، بما يستتبعه من عنوان إضافِيّ هو جملة كاملة «لَمْ يَكُنْ بوُسْعِي أن أكونَ مُحايِداً بلا دَمٍ»، هو ما ارْتَأَى الشَّاعِر صلاح بوسريف أن يُسَمِّي به سيرَتَه الذَّاتية، التي سمَّاها سرداً ـ سير ذاتِياً، وقد صدرت في جزأين، الجزء الأول عنوانُه «المُسْتحيل المُمْكِن»، والجزء الثاني «الوَقْتُ ما أنا فيه».
في استهلال هذه السيرة، يكتُب صلاح بوسريف «ما لَم يَكُنْ قَابِلاً للحُدُوثِ، لَكِنَّهُ حَدَثَ. الشُّعُورُ بالدُّوارِ، وبِغُصَّةٍ في الجِسْم والنَّفْس، بشيءٍ ما يقُضُّ طُمأنِينَتَكَ، هذا هو الحَدَثُ، رَغْمَ أنَّ التَّعْبِيرَ عنه بِاخْتِزَالِهِ هَكَذَا، لن يُفِيدَ فِي كَشْفِ مَا جَرَى.
نَحْتَاجُ إلى المَاضِي، لِنَفْهَم الحَاضِر، أو بَعْضَ الحاضِرِ، أو نَسْتَطِيعُ تَبْرِيرَ مَا وَقَعَ لَنَا، بِما كَانَ السِّكِّينَ، أو الرَّصَاصَةَ التي أصَابَتِ النَّفْسَ، لا الجِسْمَ وَحْدَهُ، وبَقِيَتْ طَعْنَتُها عالِقَةً في الجِسْم، وكأَنَّها مَازَالَتْ تأْتِي من حَيْثُ أتَتْ.
سُقُوطٌ تِلْوَ سُقُوطٍ، ونُهُوضٌ مُتَعَثِّرٌ، كان أفْظَعَ مِنَ السُّقُوطِ نفسِه، وكَأَنَّ يَداً ما تَجْذِبُنِي إلى قَاعٍ صَفْصَفٍ غَامِضٍ، لا قَاعَ، ولا قَرارَ لَهُ، كَمَا لَوْ أنَّ حِكَايَةَ الجُبِّ والذِّئب الذي بَقِيَتْ مَخَالِبُهُ عالِقَةً فِي القَمِيصِ، لَمْ تَنْتَهِ مع يُوسُفَ، فهي حكايَتِي أَنَا مَعَ الذِّئَابِ الَّتِي مَخَالِبُها ما تزالُ تَظْفَرُ بِكُلِّ مَنْ يَكُونُ الطَّرِيدَةَ، أو يُسَاقُ إلى الغَابَةِ، ليكُونَ فِيها طَرِيدَةً».
وفي الجزأين يختلف المسار والزَّمان، وتختلف الأمكنة، كما تختلف تشَكُّلات الذَّات، من هِيَ، وبما كانت عليه في كُلّ لحظة من الأزمنة التي كانت فيها، وما
لقيته من سُقُوط وتعثُّرٍ، أو ما واجهته من حُروب، لا حِقاً، وهي تظن أنَّها نَجَتْ من يَدِ الزَّمان، أو الغابة، بين ما كانت عليه من إخفاقٍ وفَشَلٍ، وبين ما عاشته خارِج تُرابِها من بحث عن استقرار وخُروج من عُنُق زُجاجة كادت تُطْبِق على السَّارِد، وما سيجده في طريقه، في الجزء الثاني، مما كاد يكون سُقوطاً بلا نهوض، من حِرابِ القريبين قبل البعِيدِين.
في هذه السيرة، تتراءَى الجراح وهي تُثْخِِن، ليس في الجسم، بل في النَّفْس والرُّوح، ما شكَّل سيرتها ومسيرها، وما خرجت به من «الغابة»، لتكون أفُقاً وطريقاً، وهي تنتصر للمدينة، للإنسان فيها، وفي المعرفة التي هِيَ ما جبل هذه النفس على أن تتعلَّم دون مُعلِّمين، حتَّى وهي تُطْرَد من بدايات التّعْلِيم، قبل أن تتهجَّى اليَدُ الحُروف والكلمات، وتنجو من رعشاتها. لكن «القَتْل» سيستمر، وسيبقى ماثلاً لن يتوقَّف، ما أجَّج الحياةَ في ذاتٍ سيرتُها كانت سريرَتُها، أو القَتْل الذي كان يُحِيطُ بها.
ولعلَّ في توكيد النَّاشِر أنَّ «السِّيَر هكذا تُكْتَبُ ما يُشِير إلى سيرة هي غير السِّيَر، ولهذا ربما سماها الشَّاعِر «سرداً ـ سير ذاتياً»، لا سيرة كما تُسَمَّى السِّيَر، خُصوصاً في سردها غير الخَطِّيّ، وما تفرضه على القارئ من انتباه إلى ما فيها من انتقالاتٍ الماضي فيها يوازي الحاضر، ويشي بالقادم، أو يُحيل عليه لا ليقوله، بل ليؤجِّلَه.
طنجة الأدبية

