جسد قرار إفراغ مدينة القصر الكبير من ساكنتها وعيا استباقيا بقيمة الحياة الإنسانية، وقيمة المواطن المغربي، حيث أسهم تدخل السلطات في حماية الأرواح والحد من الخسائر المحتملة. يفرض هذا الظرف توجيه عبارات التقدير إلى الأجهزة المرابطة في الصفوف الأمامية التي واجهت الوضع بتفان ومسؤولية عالية. تحيط بالمرحلة الراهنة تحديات متعددة، يتقدمها التحدي الصحي المرتبط بالفيضانات، وهو ما يستدعي استمرار اليقظة الجماعية واستمرار التنسيق المؤسساتي المحكم لضمان سلامة الساكنة خلال هذه الفترة الدقيقة.
تؤدي الفيضانات إلى تراكم المياه واختلاطها أحيانا بمصادر الصرف الصحي، الأمر الذي يهيئ بيئة مواتية لانتقال عدد من الأمراض، خاصة في الأيام التي تلي الكارثة مباشرة. يتجلى الخطر الأول في احتمال تلوث شبكات الماء، وهو ما قد يفضي إلى انتشار أمراض معوية، من بينها الإسهالات الحادة، وحمى التيفوئيد، والتهاب الكبد الفيروسي بنوعيه A وE، إضافة إلى الكوليرا عندما تتوافر شروط انتقالها. تنشأ هذه الإصابات غالباً عن استهلاك ماء غير مأمون أو أغذية أُعدت في ظروف صحية مضطربة، لذلك يكتسي تأمين ماء صالح للشرب أهمية مركزية في تقليص العدوى. وتسهم البرك والمياه الراكدة في توفير مجال مناسب لتكاثر البعوض، مما يرفع احتمال ظهور بعض الأمراض المنقولة عبر الحشرات. يرتبط هذا الاحتمال بطبيعة المناخ والبيئة. وتدفع الفيضانات أيضا القوارض إلى الاقتراب من التجمعات السكنية بحثا عن المأوى والغذاء، وقد يسهم ذلك في انتقال داء اللِّبْتوسبيروز، وهو مرض بكتيري ينتقل عبر المياه الملوثة ببول الحيوانات، وتظهر أعراضه في شكل حمى وآلام عضلية وإرهاق عام، ما يجعل التشخيص المبكر عاملاً حاسماً في تفادي المضاعفات.
ينجم عن التعرض المطول للمياه الملوثة ظهور التهابات جلدية مختلفة، خاصة لدى المشاركين في عمليات التنظيف والإنقاذ، وتتزايد الخطورة عند وجود جروح غير محمية تسمح بتسرب الجراثيم إلى الجسم. ترفع الرطوبة داخل المنازل المتضررة أيضا احتمال تشكل العفن، وهو عامل قد يسهم في تفاقم الحساسية ونوبات الربو وبعض التهابات الجهاز التنفسي. وينخفض التهديد الصحي عند التدخل السريع لإعادة الخدمات الأساسية وتنظيم حملات التوعية، لذلك يعكس حجم الإصابات في الغالب فعالية الاستجابة الصحية بقدر ما يعكس شدة الفيضان.
تستدعي المرحلة الحالية ترسيخ السلوك الوقائي عبر الحرص على استعمال ماء مأمون، وغسل اليدين بانتظام، وحماية الأطعمة، والحد من التعرض للسعات البعوض، مع طلب الاستشارة الطبية عند ظهور أعراض غير مألوفة. يشكل الوعي الصحي، إلى جانب التضامن المجتمعي، ركيزة أساسية لتجاوز آثار هذه الأزمة، خاصة عندما يقترن بالالتزام بالإرشادات الرسمية واستمرار الجهود المؤسساتية الرامية إلى حماية الصحة العامة واستعادة الاستقرار. وان شاء الله معا نتجاوز هذه المحنة.
أمينة بنونة


