الرئيسيةأخبار“الأقنعة” رواية سعودية تسبر أغوار الإنسان في عصر الرقابة الرقمية

“الأقنعة” رواية سعودية تسبر أغوار الإنسان في عصر الرقابة الرقمية

رواية الأقنعة لمحمد بن سالم البلوي

في روايته الجديدة “الأقنعة”، يقدم الروائي السعودي محمد بن سالم البلوي رحلة سردية فريدة في عالم مستقبلي خيالي، مستعرضًا سؤالًا محوريًا في عصرنا: “ماذا يحدث حين لا يعود القناع وسيلة، بل يصبح هو الوجه نفسه؟”.

تدور أحداث الرواية في مدينة “نيفارا”، التي تبدو فاضلة من الخارج، لكنها مرعبة في جوهرها، حيث يُعتبر الوجه البشري خطيئة، ويجبر جميع السكان على ارتداء أقنعة تحدد وظائفهم الاجتماعية والأخلاقية: الأزرق للنخبة، الأخضر للموظفين، والأحمر للمراقبين. في هذا العالم، تتحكم الخوارزميات في الوعي البشري، وتُستبدل السماء الحقيقية بشاشات زرقاء، فيما تُحظر المرايا باعتبار رؤية الذات بداية للتمرد.

يبدأ السرد مع شخصية “سيار”، موظف في “وزارة التاريخ الرقمي”، الذي يشك في البيانات التي يعيد ترتيبها، فيكتشف آثار عالم لم يعد مرئيًا، عالم “العراة” الذين رفضوا الأقنعة. ترافقه في رحلته “نوريا” التي تمثل صوت الطبيعة والحقيقة، والمهرج الأخرس الذي يمنحه مفاتيح فك شفرات “العقل المركزي”. ما يميز الرواية أن بطلها يأتي من قلب النظام نفسه، حيث تمثل تساؤلاته الصغيرة بداية تمرده: هل هذا وجهي الحقيقي؟

تمتزج في الرواية الفلسفة بالإبداع، إذ يربط البلوي بين الإنسان القديم الذي رأى ظله على جدار الكهف وبين الإنسان الرقمي الذي يختبئ خلف “فلتر” رقمي. القناع هنا ليس مجرد أداة للتمويه، بل سجن يحجب الصدق ويعيد تشكيل الوعي، فالمساواة تتحول إلى تسوية قسرية، و”الأمان” يصبح فقدان الذات.

تتجنب الرواية ثنائية الخير والشر المبسطة، وتقدم شخصيات مركبة مثل “نوريا” والمهرج الأخرس، اللذين لم يخرجوا من السلطة، بل أصبحوا ضحايا لاستيقاظ متأخر، فيما يطرح النص فكرة مفادها أن أخطر الأنظمة تُبنى ليس بأيدي الطغاة فقط، بل بأيدي المؤمنين بـ”الخير المؤجل”.

لا يقدم البلوي سقوط النظام بوصفه خلاصًا نهائيًا، فحين تُزال الأقنعة، يظهر الخوف والفوضى إلى جانب الحرية، التي تُعرّف بأنها القدرة على مواجهة الوجه الحقيقي بكل ضعفه وندوبه.

من الناحية الجمالية، يستخدم البلوي لغة سينمائية مكثفة، ويستعين بالرموز التاريخية السومرية والمصرية واليونانية لتأكيد أن لعبة الأقنعة قديمة قدم البشرية، وأن مدينة نيفارا هي النسخة الأكثر تطورًا وقسوة من هذا التاريخ.

يمكن قراءة “الأقنعة” كرواية عن الرقابة الرقمية، الذكاء الاصطناعي، إدارة الهوية، وتسليع الأمان، لكنها قبل كل شيء رواية عن الإنسان المعاصر الذي يخلط بين الحماية والتنازل، وبين النظام وفقدان المعنى. وبأسلوب رمزي محكم، يحوّل البلوي القناع من استعارة مألوفة إلى مرآة ثقافية، داعيًا القارئ لاستعادة “الوجه الأول” والاستمتاع ببساطة الحياة اليومية بلا أقنعة.

طنجة الأدبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *