الرئيسيةأخباروفاة حسونة المصباحي: رحيل روائي تونسي شكل ذاكرة السرد العربي

وفاة حسونة المصباحي: رحيل روائي تونسي شكل ذاكرة السرد العربي

حسونة المصباحي

توفي الكاتب والروائي التونسي حسونة المصباحي عن عمر ناهز 75 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض. ويعد المصباحي واحداً من أبرز الأسماء الأدبية في تونس والعالم العربي، حيث شكلت كتاباته مرآةً للواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأسهم في إثراء الحياة الثقافية بإنتاجه الأدبي والصحفي المتنوع.

ولد حسونة المصباحي في مدينة القيروان عام 1950، وعُرف بشغفه بالقراءة منذ سن مبكرة، مما مهّد له طريقاً مميزاً في عالم الأدب. بدأ حياته الأدبية في فترة السبعينيات، ولفت الأنظار سريعاً بأسلوبه السردي المتماسك، وقدرته على الغوص في أعماق النفس البشرية، متناولاً مواضيع مثل الاغتراب، القمع، الهوية، والحريات.

أصدر المصباحي عدداً من الروايات والمجموعات القصصية التي تُرجمت إلى عدة لغات أجنبية، منها الفرنسية والألمانية والإنجليزية، ما جعله أحد الوجوه العربية القليلة التي وصلت إلى القارئ الغربي. من بين أشهر أعماله رواية العودة إلى الطرابلسية، وحكايات مغربية، والخروج إلى التيه، ونزهة الموتى.

اشتهر حسونة المصباحي أيضاً بمقالاته الصحفية التي كتبها في عدد من الصحف والمجلات العربية والدولية، على رأسها صحيفة الشرق الأوسط، حيث كان من بين كتّابها الدائمين. وتميزت مقالاته بنبرة نقدية وتحليل ثقافي عميق، وغالباً ما كانت تسلط الضوء على التحولات السياسية والفكرية في العالم العربي.

لم يكن المصباحي كاتباً فحسب، بل كان مثقفاً ملتزماً بقضايا الإنسان العربي، وظل طيلة حياته يدافع عن حرية التعبير وعن حق الشعوب في تقرير مصيرها، بعيداً عن الإيديولوجيات الضيقة. وقد جعلته هذه المواقف عرضة للتهميش في بلاده، لكنه بقي صامداً، مخلصاً لقلمه ومبادئه.

عُرف عن حسونة المصباحي حبه الكبير للمغرب، خاصة مدينة أصيلة التي كان يعتبرها مدينة روحية بامتياز، لما تمثله له من رمزية ثقافية وجمالية. وكتب عن المغرب نصوصاً كثيرة تعكس هذا الارتباط العاطفي والفكري، حتى أصبح يُعرف بين أصدقائه بأنه “كاتب مغاربي الهوى”.

ترك المصباحي وراءه إرثاً أدبياً وإنسانياً كبيراً، إذ لا يمكن الحديث عن القصة القصيرة والرواية التونسية المعاصرة دون التوقف عند اسمه. فقد كان شاهداً على تحولات المشهد الثقافي في تونس منذ ما قبل الثورة وحتى ما بعدها، وحاول في كتاباته أن يقدم فهماً عميقاً لمشاكل الفرد والمجتمع، دون الانسياق وراء الشعارات أو الأجوبة الجاهزة.

العديد من المثقفين العرب نعوه بكلمات مؤثرة. الكاتب المغربي محمد برادة وصفه بـ”الكاتب الذي قاوم العزلة بالقلم”، فيما كتب الشاعر السوري نوري الجراح: “برحيل حسونة المصباحي نفقد شاهداً حساساً على عذابات العرب وحلمهم المؤجل”. أما الكاتب التونسي كمال الرياحي، فاعتبر أن المصباحي “ظل وفياً للكتابة رغم الجحود والنسيان”.

من المعروف أيضاً أن حسونة المصباحي كان حريصاً على دعم الأصوات الجديدة في الكتابة، وكان يشجع المواهب الأدبية الشابة دون تردد. ولم يكن يحب الأضواء أو التكريمات الرسمية، بل ظل يفضل العزلة والعمل بصمت، وهو ما منح كتاباته صدقاً إنسانياً عالياً.

برحيله، فقدت تونس والعالم العربي صوتاً حراً ومتفرداً، قلّ نظيره في ساحة الأدب والصحافة. لكن إرثه سيبقى حاضراً بيننا، من خلال أعماله التي ستواصل ملامسة القارئ العربي، وتحرضه على التفكير والسؤال والمراجعة.

في إحدى حواراته، قال حسونة المصباحي: “الكتابة الحقيقية لا تسعى إلى الجوائز، بل تحفر في الألم الإنساني بحثاً عن الخلاص.” وها هو يرحل بصمت، كما عاش، تاركاً وراءه كلمات حارقة وأخرى دافئة، ومكتبة من النصوص التي ستظل تقرأنا كما نقرأها.
وداعاً يا حسونة، يا من جعلت من القلم مرآة للروح، ومن الحبر طريقاً إلى الحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *