يعتبر كتاب ليوتار “حقبة مابعد الحداثة ” (1979) من المرجعيات الأساسية لتيار ما بعد الحداثة النسوية، إلى جانب أعمال فوكو ودريدا وألتوسير وبودريار…فهذه الروافد الفلسفية شكلت أرضية ممتازة لتعزيز الأطروحة الفلسفية النسوية.يشير ليوتار في كتابه إلى نهاية “التمثلات الابستيمية” التقليدية التي تروم المطابقة بين تمثلات الوعي وتمثلات خارج الوعي،إنها رغبة مسكونة بهاجس الامتلاك وسلطة الانسجام بين العالم الذاتي والعالم الواقعي.
تتمظهر “التمثلات الابستيمية” في صور متعددة من ديكارت إلى هيغل، سواء تحت قاعدة الوضوح والبداهة من أجل استكمال الذات صفاءها وشفافيتها، أو دعوة الذات إلى الخروج من القصور العقلي، دفاعا عن استقلاليتها الذاتية أو تطوير الذات عبر لحظات الوعي لاستعادة الكلية المفقودة.فالسؤال الذي يطرحه ليوتار يتعلق بكيفية الانتقال من براديغم تمثلات الوعي إلى براديغم اللغة، أي الانتقال من المعنى الإشاري (يشكل الواقع إحالة مرجعية للغة لتحديد الخطأ أو الصواب، الصدق أو الكذب…) إلى المعنى الرمزي. فالتواصل اللغوي كما يفهمه ليوتار ينحو نحو التنازع والصراع حيث يتمظهر ك “حرب أهلية لغوية شاملة”، وهناك تمتلك الذات سلطة خطابية قهرية للاختلاف.إن تمثلات الوعي الذي هيمن منذ عصر الأنوار أنتج سياقا متعاليا يقوم على وحدة سردية تستبعد السرد التاريخي الخاص للمرأة. وهذا النمط من التمثل “لا يراعي تعدد الألعاب اللغوية وتباينها.وهذه الألعاب التي توجه في صورها المختلفة حياتنا العامة والخاصة لا تلتقي في لعبة توحد بينها”.
تقذف باثلر بتمثلات الوعي خارج المعنى،على اعتبار أن المعنى لا يرقد في الواقع. فاللغة لا تتمكن من الواقع إلا من حيث تشكله لسانيا. فالتأويل والسياق اللغوي ولعبة اللغة عناصر لبناء المعنى.إننا نحيى في عالم الدلالات ونظام الرمزيات. والمعاني لا تكتسي دلالتها إلا في إطار بنية تعاقدية خارج سلطة ورقابة الذات.فالذات تذوب في إطار شبكة من المعاني والدلالات.نفهم خبراتنا والعالم من خلال الانتقال من اللغة الوظيفية إلى اللغة التداولية.
تتقاطع باثلر مع ليوتار في أن اللغة إنجاز.واللغة ليست سوى أفعال.ولذلك ترى باثلر أن النظرية النسوية تقع خارج ثنائية “الجنس” و “النوع الاجتماعي”،لأن اللغة سلسلة من الإنجازات بدون فاعل.فغياب الفاعل يعني انعدام المسؤولية والقصدية وأفول الاستقلالية.
لكن هذا المسعى الذي رسمته باثلر هو في تقدير بنحبيب ممارسة “تقويضية للمعيار السياسي وللنظرية النسوية”، وتقويضا كذلك “لذاتية المؤلف ذاته”. فمؤلف الحكاية يتحمل مسؤوليته أمام الجماعة الخطابية، إذ ينتج نصا له أهداف ومقاصد حاملة للمعنى.ومن ثمة،تحدد بنحبيب مسافة بينها وبين التحالف النسوي لتيار ما بعد الحداثة، لكونها تفتقر إلى أسس تاريخية وذاكرة ومعايير كونية. تقدم بنحبيب صورة لخطاب يباشر علاقة مع “الآخر الواقعي”،حيث نرى ” كل كائن عاقل بوصفه فردا يحمل معه تاريخا ملموسا وهوية وتكوينا نفسيا ووجدانا عاطفيا “.
تنطلق فلسفة بنحبيب من المشروع الفلسفي الحداثي، على اعتبار أن حلقاته لم تكتمل بعد.ولكي تستعيد حوارها النقدي مع الحداثة، فإن بنحبيب تتبنى براديغم العقلانية التواصلية والديمقراطية التشاورية. لكنها تتعامل مع هذا البراديغم الهابرماسي وفق إستراتيجية “إعادة البناء الفلسفي” من أجل هدم أجزائه الضالة.وبهذا الخصوص، فهي توجه نداءها إلى المنظرات قائلة “لا ينبغي علينا – بوصفنا نسوة – أن ننتقد فقط النظرية الاجتماعية لهابرماس،ولكن يجب الدخول في تحالف ديالكتيكي معها”.وهذا التحالف يقوم على النقد وإعادة البناء،خصوصا وأن النظرية الهابرماسية سقطت في تعميم الآخر واستدماجه في سياق عام، وبذلك أجهزت على صوته و على حكايته.
يروم مشروع بنحبيب إلى عقد روابط ممتدة مع الإرث الفلسفي لفلسفة الأنوار.ذلك أن أخلاقيات المناقشة “تنحدر من النظريات المعاصرة للاستقلالية والعقد الاجتماعي بوصفهما مرتبطين بجون جاك روسو وخاصة امانويل كانط”. معنى هذا، أن المنعطف التواصلي لا يرسخ قواعد التأسيس بل يسعى إلى الدخول في تحالف نقدي من أجل إعادة بناء إرثه الفلسفي. أما وأن بنحبيب ترمي إلى هدم الأجزاء الضالة في النظرية الهابرماسية، فإنها بصدد إعادة إعادة البناء الفلسفي.
وعلى هذا الأساس، فإن بنحبيب لا تنطلق من قاعدة ذات حوارية تفاعلية مسكونة بهاجس الإجماع. طالما أن الفعل الكلامي هو حصيلة تقاسم قناعات مشتركة مع الآخرين، فإن الحوار يظل مفتوحا على سياقات اجتماعية وتاريخية محتملة.ولضمان قاعدة حوارية سليمة يتعين أولا البحث عن “كونية اللاتناقض” أي البحث عن ما يشكل تناقضا ذاتيا، من خلال إظهار مسوغات وتبريرات وتأكيدات معيارية حول أحكام أخلاقية تحت مبدأ “معقولية الحجة”.وهذه الوضعية الإجرائية تفضي بنا إلى وضعية البحث عن “كونية تواصلية حجاجية” بمعزل عن الفعل الغائي أو الاستراتيجي لسلطة الذات.فالكونية التواصلية موضع اتفاق الجماعة الخطابية التي تحظى بنفس الحقوق، سواء في أفعال الكلام أو فتح مواضيع جديدة أو دحض افتراضات…ذلك ما تسميه بنحبيب ب “المعيار الفوقي” (Meta Norm) الذي يفترض، من جهة “الاحترام الأخلاقي الكوني “. ومن جهة أخرى،”المساواة التبادلية”.
تسعى بنحبيب إلى بناء “كونية واعية بذاتها تاريخيا”، في مقابل استراتيجية هابرماس التي التي تقوم على “حجة متعالية ضعيفة”.