الرئيسيةأخبارحوار : محمد بالخياط والأوتار السبع

حوار : محمد بالخياط والأوتار السبع

توفي أمس الملحن المغربي محمد بلخياط، وكنا في “طنجة الأدبية” قد أجرينا معه هذا الحوار، ننشره في التالي:                                                                                        

– ينقر على أوتار عوده تعبيرا عن خلجات حسه ومشاعره، فيتفتق النوار مطلا بين حقول القمح والذرى…وتتهادى السنابل محتفية، فتجري السواقي نشوى بين أشجارها الباسقة… ثم تعلو الأهازيج في كل الشعاب والهضاب… وتنتشي القمم بسموها…وحين يطرب الوطن الحبيب يعتز فخورا بذاته…                                                        -إنه الموسيقار الفنان محمد بالخياط، الابن الأصيل للتربة المغربية…ملحن لافت ومثقف موسيقي متعدد الشواهد والاستحقاقات…                                                         – لقد أتى من زمن كان “جميلا”، ولازال يساهم بجدارة إبداعية، في بلورته… فكان لازما أن نمر به ونجالسه، لأنه ينطق الأنغام، فيدخلنا إلى الهوية، وإلى ثقافة الوطن…            –أهلا بك أستاذ في رحاب مجلة “طنجة الأدبية”، وهي تستقبلك فنانا متميزا، استطاع أن يكون من أيقونات اللحن المغربي في زمن الإبداع.

 

*أهلا بهذه المجلة الأدبية الأنيقة والتي ننتظرها بشوق.

1- س: الأستاذ محمد بالخياط، كيف تنظر إلى علم الموسيقى عامة، وأنت أدرى بشعابه لحصولك على عدة شواهد فيه.. وأيضا باعتبارك أستاذا لآلة العود بالمعهد الوطني للموسيقى بالرباط                                             -ج: ما من شيء في الوجود إلا وقد وضع له الإنسان نظما وقواعد توضح وتبرز خصائصه، فيصبح بذلك علما نافعا للمجتمعات، يخضع للمنطق ويتطور عبر الأجيال. وعلم الموسيقى لا يختلف عن ذلك. غير أن هناك حالات وظواهر تخرج أحيانا عن هذه النظم والقواعد العلمية للموسيقى، فتكون بذلك حالات شاذة لا تخضع للذوق السليم، وتلحق الضرر بالمجتمعات فتفسد الطباع…

2 – س: هل موسيقى التراث المغربي بلدك، لها نفس القيمة ؟                  ـــ ج: في اعتقادي أن التراث وخصوصا منه المتوارث عبر الحقب الزمنية وعبر الأجيال يمثل الهوية الحقيقية للمغاربة، ولهذا وجب المحافظة عليه والارتواء منه ومحاكاته عند الإبداع من طرف كل مبدع دون المساس به أو محاولة تشويهه… واعتزازي كبير بما تزخر به بلادي من تراث موسيقي متنوع تنوع الفسيفساء.                                       3– س: “الزمن الجميل”، هي عبارة تكاد تتعمم… فكيف تم إطلاق هذه العبارة؟ وأين تكمن مصداقيتها؟                                                         ـــ ج: الإنسان من طبعه دائما أن يبحث عن الأشياء الجميلة، وحين يفتقدها يصبح ما تراكم في ذاكرته حنينا إلى ماض، وزمن كان جميلا.

4– س: هل في نظرك، من الضروري أن تلبس الأغنية عباءة التنشيط الجماهيري، أم تنخرط مع هاجس الثقافة وأبعادها ؟                             ـــ ج: الموسيقى أو الفنون بصفة عامة لها جانب تنشيطي، يستهدف تنشيط ذاكرة وأحاسيس وعواطف الإنسان وحتى جسده، غير أن الإغراق في تنشيط الجسد للأسف أصبح في وقتنا الحالي هو الرائج والمروج له، وخصوصا في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وهذا في حد ذاته يضرب ــ عن قصد أو عن غير قصد ــ الفن الراقي ويحول دون استمتاع الفكر والجوارح به.

5- س: لقبت الأغنية ا المغربية في زمنها ا لجميل، ب”الأغنية ا لعصرية”، هل لهذا اللقب دلالة معيارية؟ أم يجوز إعطاؤها معنى أكثر أدق؟                        ـــ ج: في سنوات الثلاثينيات والأربعينيات كان الفن الموسيقي السائد آنذاك عبارة عن فرق موسيقية غنائية تكتسي طابعا شعبيا نظرا لانها كانت تؤدي ألحانا وأغاني أغلبها من التراث كفن الملحون والعيطة بمختلف تلويناتها، وموجهة للسواد الأعظم من المغاربة، لهذا سميت بالفرق الشعبية والأغنية الشعبية، وكان هناك أيضا فنا موسيقيا تراثيا، فن الموسيقى الأندلسية أو ما يصطلح عليه بموسيقا الآلة، هو الآخر يمارس في طقوس معينة وغالبا موجه لنخبة من المجتمع. لكن خلال بداية الأربعينيات ظهرت بعض الفرق الموسيقية التي لها طرق في العزف تختلف عن الفرق الشعبية وتقلد الفرق الموسيقية الشرقية، حتى أن الألحان التي كانت تغنى وتعزف من طرف هذه الفرق، أغاني شرقية أو ألحانا متأثرة بها، لهذا أطلق على هذه الفرق، الأجواق العصرية والأغنية العصرية.

6– س: هل الأصوات التي تعاملت معها، تستحق أن تعتبر مقنعة بالنسبة لك كملحن أبان عن اقتداره، خاصة وأن أغلبها لم تتمكن من فرض نفسها إلا من خلا ل ألحانك ا لتي ميزتها؟ – راجع لي ثاني بالأفراح- صحيبي صحيبي-وانت دايز طل علينا- كنت صغير- ورائعتك الغربة والعشق الكادي…إلخ             ـــ ج: لا يمكن للأصوات البشرية الغنائية التي خلقها الله سبحانه وتعالى سواء رجالية أو نسائية أن تكون متشابهة وذات لون واحد ونبرة واحدة، وذلك ليكون التنوع الذي هو في حد ذاته لصالح الذوق البشري. يبقى على الملحن عند تعامله مع أي صوت غنائي، إبراز الجانب القوي والجميل في الصوت من طبقات صوتية وتقنيات حركية تطريبية وتعبيرية.

7-س: هل تعتقد أنك قدمت إضافات إبداعية للأغنية المغربية على ما قدمه الجيل السابق لك ؟                                                             ـــ ج: مسألة الإضافات الإبداعية لكل فن مسألة حتمية وتعتبر سنة الحياة.. فالسبيل لضمان الاستمرارية للفنون، هو تعاقاب الأجيال، وحمل المشعل من الجيل السابق، وكل جيل يضع بصمته وإضافته لما سبق من إبداع، شرط أن يكون الجيل المتحمل لهذه المسؤولية التاريخية متمكنا من أدوات الإبداع، مضيفا الجديد وغير مقلد… وطبعا باعتباري من الجيل الذي جاء بعد الرواد وعاصر البعض منهم، فقد حملنا المشعل وكانت لكل منا بصمته التي تعبر عن غيرته وحبه للأغنية المغربية.

8– س: من هو في نظرك الفنان المغربي الذي يستحق أن يشهد له بالريادة في تأسيس الأغنية المغربية العصرية، ومهد للإبداع فيها ؟                     ــ ج: لا يمكن ذكر إسم معين لأن هذا سيكون إجحافا في حق الآخرين، على كل هم مجموعة من المواهب الفذة خرجوا للعلن رغم ما كان يعرفه المجتمع المغربي في الأربعينيات من تحفظ على فن الموسيقا والغناء… خرجوا ليعبروا عن مواهبهم ويمارسون الإبداع عزفا وغناء ولحنا على غرار فناني المشرق.. ويبقى لهم الفضل في بناء صرح الأغنية المغربية وتمهيد الطريق لكل من له موهبة ليلج الميدان الفني ويسهم فيه بالعطاء والإبداع.       

 9- هل يمكن المطابقة مثلا، بين الفنان والسياسي، وأيضا رجل الأعمال؟       ـــ ج: هؤلاء كلهم بشر.. والبشر بصفة عامة لهم الجانب العاطفي الذي هو مرتعا للفن بكل تجلياته، غير أنه للأسف هذا الجانب العاطفي شبه مغيب عند الذين يغرقون أنفسهم في الجري وراء الأعمال والمعاملات ذات الطابع المادي والمنفعي، متناسين بذلك مقولة ” ولنفسك عليك حق”، لأن الفن عامل تهذيب وتلطيف للنفس.

10- ماذا كنت تأمل أن تقوله، ولم يتطرق إليه أي سؤال في هذا الحوار؟      ـــ ج: الحقيقة أن كل الأسئلة تصب في معنى ماهية الموسيقا وعلاقة الإبداع والتراث الموسيقيين بها، هناك سؤال يطرح نفسه بحدة: إذا كان هناك إبداع حقيقي سواء كان موروثا أو حديثا، ألا يجب أن نعرف به ونسوقه ليصل إلى كل أذن وكل متذوق لإمتاعه وتنشيط فكره وذاكرته، تغذية لروحه وأحاسيسه ومشاعره ..؟ أليس هذا دور الإعلام بكل أصنافه ودور جمعيات المجتمع المدني لقطع الطريق على التطفل والمتطفلين على الإبداع الفني بصفة عامة.؟

+ شكرا الأستاذ محمد بالخياط لتلبيتك الدعوة..     

                      *ختاما تحية تقدير واحترام لمجلة ”طنجة الأدبية”، مجلة الثقافة والفنون، ولطاقميها الأدبي والفني.

 

*أدار الحوار الأديب والناقد – العربي الرودالي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.