الرئيسيةأخباررواية ” الثلاثة” ليوسف نجيب  الرغبة في إعادة بناء الأنساق

رواية ” الثلاثة” ليوسف نجيب  الرغبة في إعادة بناء الأنساق

وأنت تبحرين في عالم الرواية تجدك تائهة أحيانا، سعيدة أحيانا، قلقة أحيانا، متضامنة أحيانا؛ ممتلئة بالأسئلة الشقية أحيانا.لكنك، حتما لا يمكن أن تخرجي من هذا العالم كما دخلت. لا يمكنك أن تتصوري نفسك خارج النص الروائي، مهما كان، وإلا ما كان الذي قرأت عملا روائيا، او ما كنت أنت متلقية. فالنصوص الروائية ما خلقت عبثا. ولا يوجد نص روائي لا قارئ له، حتى لو كان ذلك القارئ الوحيد هو مبدعه أي كاتبه. الرواية لا تكتب منفراغ ولا في الفراغ، بل تنكتب في عالم لا متناه من التفاصيل وتفاصيل التفاصيل التي قد لا تلتقطها عدسة اللغة. كما تنقرئ في عالم لا متناه من الذوات والكائنات الثقافية.الرواية هي تلك الأنثى الأدبية الخصيبة الولودة للمعاني، الوليدة لمتلقيها. التي تنتج في داخلك معنى آخر للحياة. قد لا يوافق ما ينتجه هواك الثقافي والنفسي، في لحظة ما، في فضاء ما، في ظروف ما. لكنه، يجعلك في وضعية الآخر، والرأي الآخر، والوجود الآخر أي ذلك الآخر المختلف. بل أكثر من ذلك، الرواية قد تأخذك إلى الأكثر والأبعد والأخطر.قد تتحول إلى حزمة أسئلة ثاقبة لم تكن أنت تتوقعها، تنصب على كينونتك، على روحك، على عقلك، على كليتك.وربماتنتجك من جديد بما قد تلفظه أو تزرعه في كيانك من طحالب شيطانية أو زهريات إيمانية أو نسمات فلسفية. الرواية، إذن، ليست نصا إبداعيا أدبيا وكفى ولكنها الذات التي تختارها أنت، بنفسك، عن سبق الإصرار للتفاعل معها والتفاوض معها حول قضايا الحياة وقضايا الكون وقضايا الوجود. وفي كثير من الأحيان هي التي تختارك، بمحض الصدفة أو بمحض إرادات أخرى لا تعيها.فتكون بالنسبة إليك هذه الصدفة خير من ألف ميعاد كما يقال. الرواية، أيضا، هي زمن بمنطق آخر شبيه بحبات الرمل الهاربة من الكف، ومكان بأوصاف أخرى، ولغة بمعان أخرى. فهي تلبس زمنها فتغريك بالسفر فيه وتتدثر بأمكنتها فتغريك بالعشق والمغامرة في فضاءاتها وتتسربل بلغتها فتفتنك بدلالاتها وسراديب المعنى فيها. فلا تستغرب إن سمعت ومن الرواية ما فتنت.
قادتني رحلتي القرائية في عالم الرواية، ذات يوم، في سياق اجتماعي إنساني أدبي وثقافي، أن تصلني تحفة إبداعية من التحف الإبداعية الجميلة.رواية عنوانها ” الثلاثة: معركة التفاصيل الأولى” لكاتبها المبدع الشاب الشجاع الذي ركب موج الكتابة وهو في سن مبكرة من عمره، ابن مدينة تارودانت المغربية يوسف نجيب. وهي باكورة شجرته الإبداعية. صادرة عن دار النشر مؤسسة الرحاب الحديثة سنة 2018. في ستومائتي صفحة من الحجم المتوسط.
وهي رواية تغريك منذ أول نظرة. واجهة غلافها مؤثث بعناية شديدة، باحترافية ودهاء ابداعي جميل. في الأعلى كلمة الثلاثة وحيدة منفردة متربعة عرش الغلاف، تلبس الأحمر لون الدم القاني المحفوف بالبياض الثلجي النقي اللائق. وبقية العنوان في فضاء مفتوح على احتمالات المعنى بلا ضفاف.” معركة التفاصيل الأولى”. فما بين الدم المتربع عرش الحياة ومعركة التفاصيل مساحة إغراء تتجاوز رؤى البصر فتحتاج إلى بصيرة أدبية مادامت الحياة تفاصيل وتفاصيل التفاصيل والتعارك فيها سر سيرورتها وصيرورتها واستحالاتها الغارقة في الاحتمال والإمكان المتعدد. أما الباقي فطريق وجدران مرصوص وظلال ثلاثة. لكل ظل تفاصيل، ولكل ظل حياة، ولكل ظل امتداد، ويوسف في الأعلى ينظر، يلاحظ، يتفقد حركتهالداخلية بمثابة حلبة صراع غير خاف يحاول أن يدير مجراه. أما الوجه الآخر للغلاف فقد تضمن نصا مركبا مفسرا مفتوحا. لكنه البوصلة التي أرادها كاتبه موجهة لمتلقيه في محاولة مكشوفة لفصل النسق الروائي عن ذات كاتبه والانتصار لحياة النص الروائي الذي سيأتي بين دفتي الكتاب فنجده يقول في فقرات:
“رواية اجتماعية وإنسانية هادفة تتميز بتشابك خيوط تفاصيل الأحداث فيها، كل حدث يكون وراء حدث آخر يدفعه، كما أنها تضعك في سياق مختلط محبوك ومشوق في آن واحد….
الاغبياء فقط يتذوقون الدواء المر قبل بلعه كله، وأنت ترتشفه دون أن يعطي مفعوله، ودون أن تنتهي من مرارته…
الآن ماذا؟ ستكمل مشوار هذه الحياة الوضيعة حتى تأخذك مأخذ كلب حقير؟ أم تبادر وتنهي رواية البؤس هذه؟ أنهها من فضلك، أظن أن الوقت قد حان كي تقلع عن عقاقير التبلد ومضادات الاكتئاب، لقد كبرت على هذه الأمور، لن يأتي بعد الشفاء إلا ما هو أصعب، لن يأتي إلا واقع يخزيك، فقط أنظر، لاحظ، تفقد…
أنت وحيد هنا….”
لا، لست وحيدا يا صديقي. لك أشباه في الوجود، بتفاصيلها المختلفة، بظلالها المتعددة، برواياتها الممتعة أحيانا والبئيسة أحيانا. لك أنا والآخرون ومعنا الآخرون. يجمعنا عالم الرواية الذي نتنفس الثقافة من وريقات عباراته وفقراته وكلماته فنحيا.
ولدت قراءتي، هذه، لرواية ” الثلاثة” للكاتب يوسف نجيب بناء على الدعوة التي تلقيتها من الإخوة في منتدى الأدب لمبدعي الجنوب للمشاركة في الدورة الثانية لمنتدى ” في حضرة الضاد” الأدبي المنظمة بأيت ملول/ أكادير، يومي التاسع والعاشر من شهر فبراير من سنة تسع عشرة وألفين. فكان لي شرف المشاركة في هذه الدورة إلى جانب ثلة مرموقة من الأدباء المبدعين والنقاد. وكان موضوع المشاركة هذه الورقة النقدية في شكل مداخلة سمح بها المقام والمقال.لذلك، تعمدت أن أدعها كما كانت، وما تجرأت أن أضيف إليها سوى هذه المقدمة البسيطة في شكل عتبة بدء مؤطرة. ومن ثمة، فهي قراءة لا هي قراءة عالمة ولا قراءة تدعي لنفسها العلمية ولكنها هلوسة قارئة تسكنها الرواية فما تسكن حرارة المتعة إلا في رحابها. تعشق لغة الضاد والغوص في بحار الكلمة الجميلة الساحرة فأبت إلا أن تتقاسم معكم متعة نص الرواية كما قد تتخيلونه ومتعة قراءة نص الرواية كما عاشته.
رواية ” الثلاثة” هذه، تحكي قصة ثلاثة شبان شاءت أقدارهم الاجتماعية أن تقودهم إلى ميتم قديم سيلفظ أنفاسه الأخيرة بين أيديهم. بعدما كان قد قادهم إليه انتماؤهم المشترك إلى طبقة المستضعفين في الأرض ليتقاسموا معا مسار حياة في ضيافة هذا الميتم القديم ونزلائه وأطره ومديرته وعماله. وعبر هؤلاء الثلاثة سيعمل يوسف على نقل معالم عالم مليء بالتناقضات والمعارك والتفاصيل المقرفة، عالم تسوده وحوش بشرية وشياطين وفئات هشة فعل بها الزمن ما فعل، فذكر منها قرائن كثيرة ومواقف عديدة من قبيل المرأة العجوز راعية الأطفال، وفاطمة الأم المنكسرة التي خذلها قدرها ورمى بها على سلم قصر الأدغال في كوكب الإنسانية المفقود، لتنتهي كما لو لم تكن، فتترك وراءها موجا عارما من الألم العميق، وسربا من الأسئلة الشبيهة بحد السكين الذي يمر ولا يقطع. وماريا زوجة صاحب القصر المتعفن بماء الخيانة والرداءة، وعلاقته بالرسام المتمرد وغيرها من شظايا القدر السائل من ذاكرة هذا الكاتب الشاب كما تسيل نهايات الموج على خدود الصخور المتعبة.
لقد شاءت هذه المحاولة الإبداعية أن تدفع يوسف إلى التعاطف الطوعي مع يوسف، إلى تحمل آلامه إلى مساعدته على تطويع قدره وركوب قطار لا محطة له إلا في مدن الموت والظلام والفقر والفشل والنهايات السوداء. إلى البحث عن رفقة لا مستقبل لها سوى الموت في أحضان البوح والتشرد في مدينة القدر وتفجير الزمن قبل أن يصادف الأمكنة فتولد الأحداث من رحم الخيال الطليق.
أكيد لم يكن يوسف الكاتب ملازما ليوسف الرفيق إلا حين يريد التخلص من جدلية العلاقة بين الفكر والفقر وبين الفقر والجريمة أي بين البنيات الفوقية والتحتية باعتبارها محركات لخياله وعوالمه الداخلية المتنافرة. كما هو اكيد أن يوسف لم يكن في نيته بناء حكايات متداخلة في الزمان والمكان والانتماء، فقط، وإنما تطلع أن يقول الكثير ويبعث رسائل كثيرة بعضها عن وعي منه وبعضها من دون وعي. لكن السؤال هو من المقصود بهذه الرسائل المشفرة، أولم يجعل الكاتب القارئ مجرد متبع كسول، أولم يحاول نشرغسيل ذاكرته على قارئ أراده ميتا حتى يتقي شر لسانه؟
لا بأس إذن فالوقت لا يسمح باستهداف الكاتب إلا بالمساءلة العابرة لجدار الصمت الساكن خلف عباراته وفقراته التي تشبه أحيانا قذائف من دخان الاعتراف أو الاختفاء أو المراوغة.
سجل يوسف الكاتب في عمله هذا مواقف عدة نذكر منها على وجه المثال والاختصار ما يلي:
 النظرة السوداوية للحياة: حيث يصدر الكاتب حكما بصيغة التعميم والقطع “إننا نعيش عصر الاكتئاب، عصر صارت فيه المشاعر تموت دون أن نعلم بموتها حتى”( ). وأن هذا الاكتئاب مرتبط بوجود معيقات في الحياة لذا فإن اختفاء بوادر الاكتئاب رهين بإزالة هذه المعيقات والجدران. وأن هذه النظرة المتشائمة للحياة زادت عمقا بقول الكاتب ” في الحقيقة عدم امتلاك أسباب للموت أهون من عدم امتلاكها للعيش، هكذا أرى نفسي، أريد أن أقتل نفسي لا لأني أملك أسبابا لا تدعني أعيش، بل لأني لا أملك أسبابا تجعلني أعيش”( ). ويضيف محاولا إقناع القارئ بالقول:” أظن أن أغلب الأشخاص- المحطمون كما سميتهم – الذين يقومون بأفعال غريبة، لا يفعلها الغير يملكون ماضيا غريب الأطوار، أعني عاشوا طفولة غير عادية، أو شاهدوا ما لا ينبغي أن يشاهدوه، أو شيئا من هذا القبيل، خلاصة القول لا يملكون حياة بسيطة” ( ).
 إصدار حكم عدمي في شأن التعليم والمدرسة كفضاء للتعلم واكتساب المعارف المفيدة. حيث يقول ” مع الأيام التي قضيتها معه وجدت أنه كان يملك عقدة مع كل شيء، كل شيء، التعليم وطرقه والمقررات والدروس الطبقية في المدارس اللباس نظام المطاعم في المدارس المعاملات الإدارية أوقات الدراسة وفرة التمارين وقلة الدروس” ( ). ويضيف في موقع آخر”لكن إن أحضرت الان فأس عمك وشققت به رأسك فلن أجد إلا كتلة ضخمة مقززة من الدهون، لن أجد تلك المعلومات الغبية التي تتعلمها من المدرسة، او تلك الأشعار الركيكة التي تتنغمون بها كل يوم”( )
 الخلفية الفلسفية المتناقضة عندما يقول ” المعرفة تغير نمط عيش الإنسان” ( ) .ويقول في موقع آخر:” هل الحزن أو الفرح الذي ينتابنا ويساورنا له علاقة بما نعيشه ونمر منه؟ أم أننا مقيدون بما يحدث في دماغنا من ضخ للسوائل” ( ).ويقول:”إن الدماغ هو من يتحكم في مشاعرنا، كذلك وكما يقع معك، انت تفهم جملته من زوايا كثيرة، مع أن حروفها لا تتغير لأن دماغك لا يستقر على حالة واحدة ( ). لكنه يقول في موقع آخر: “مهما كنت بارعا في التخطيط والبناء لنفسك في المستقبل، ستأتي موجة تبعثر جميع أوراقك، وتقلب المعادلة امام وجهك وأنت تشاهد، لا يمكن التنبؤ لما هو قادم، الحياة كمتاهة تغير مساراتها في كل لحظة”( ). وهذا يعني أنه يرى حياتنا أفعالا متغيرة بفعل تغير معارفنا أي أن نمط حياتنا مكتسب وفي الوقت ذاته يذهب إلى القول بأن حياتنا لا علاقة لها بواقعنا وإنما هي نتاج ما يدور في دماغنا لكنه يرجع للقول بأن الإنسان مهما حاول التخطيط لمستقبله فهو خاضع لمتغيرات الواقع وحتمية القدر.
في الواقع، ليس من السهل تصنيف هذه الرواية حسب التصنيفات المتعارف عليها من حيث شكلها ومبناها. لأنها لا تنضبط لأي نوع منها. بل هي كل هذه الأنواع في الوقت ذاته. لقد اختار الكاتب رغم حداثة سنه، وحداثة “بنيته” الإبداعية أن يعيش عصره الروائي بامتياز محاولا تجاوز النمط الروائي التقليدي. فجاء هذا النص متخذا مسارا سرديا متعاليا وعجائبيا. لا يلتقي بالواقع إلا حين يريد الكاتب محاكمة هذا الواقع أو شرعنةأحداثه وحكاياته المتناسلة. إنه نص سردي يأبى أن يكون نسخة من الواقع. نص أراده صاحبه أن يكون مستقلا بذاته، ينمو في منآي عن كاتبه. لكنه، في الوقت، ذاته ظل يستمد كينونته من خيال هذا الكاتب الذي تتناسل فيه الأحداث وتتشابك فيه القصص دون توقف كما هي الحياة. ومن ثمة، فالكاتب ، نظرا لاعتزازه بذاته ورغبته في تقديم نص مختلف، ظل متشبثا بالحياة في حضور نصه إذ لم يستطع قتل ذاته ليمنح نصه حياته وحريته بل ظل متشبثا بكل شرايين الحياة في هذا النص فجعله يمتح سيرورته السردية والحدثية النامية من ثدي خلفياته ومرجعياته الثقافية المتداخلة التي لا تقوى على تقديم الإجابات الممكنة بقدر ما استمرت في استفزاز القارئ بأسئلة غير منتهية وأصوات إنسانية مبحوحة بفعل حركية الواقع الخارجية التي لا تدفع إلا في اتجاه الكآبة والفشل والبحث عن المنقذ من ظلال الظلم والقهر الاجتماعي وقساوة الحياة.
لا شك في كون هذا النص ممارسة إبداعية مقلقة تحمل في طياتها ألم عارم وموجة حزن فاتكة. نص ينفجر على ذاته. تتفكك فيه أواصر المعنى في محاولة للهروب من سؤال المتلقي المتربص في كل زاوية. يتشظى ذاتيا تحت رحمة عناصر أمن ثقافي داخلية تسكن رؤيته فتجعله يعيش حالة ارتباك فكري.
هذا النص كذلك،لا شك، تسكنه رغبة القتل فيبحث عن متعة الموت.يسير إليها معصوب النفس وضعيف البصيرة. بل حاول قتل متلقيه لإخفاء ما تزاحم خلفه من إسقاطات نفسيةبالهروب إلى متاهات وكهوف غابة السرد العجائبي والغرائبي أو الفانطاستيكي في محاولة لإنتاج المتعة عن طريق الخلق غير المتوقع للأحداث المفترضة وتقديم رؤية أخرى للأشياء تجعل القارئ غير واثق من قدرته على محاصرة المعاني والدلالات والقبض عليها. حتى يكشف أسرار النص وخلفياته ومضمراته. فالأدب الفانطاستيكي على حد تعبيرتزفتان تودوروف، في كتابه “مدخل إلى الأدب العجائبي ” لا يتميز فقط بخصائص خطابه وبنية الحكي واللغة، وإنما هو رؤية مغايرة للأشياء، لا يمكن أن تتركنا في نفس الحالة التي كنا عليها قبل أن نقرأه. الفانطاستيك باعتباره” الحميمي الذي يعلو على السطح ويقلق، يحطم تلك الرؤية التبسيطية الفاصلة بين الواقع واللاواقع، بين المرئي واللامرئي ” ( ) .
إن رواية الثلاثة عندما اختارت تجاوز الواقع والمنطق إلى اللاواقعواللاعقل عبر خاصيتي التعجيب والتغريب أمكن إلحاقها بصنف الرواية الفانطاستيكية. لكن، هذا الفانطاستيك يشتمل، كما هو معروف، نمطين من السرد: السرد العجائبي والسرد الغرائبي. وهذا النص خليط من هذا وذاك. فهو ليس غرائبيا تماما، كما هو ليس عجائبيا تماما. تقول الناقدة سناء شعلان: ” فالتفريق بين السرد الغرائبي والسرد العجائبي يبنى أساساعلى التردد الذي يحس به القارئ حيال تصديق نص حدث ما، ثم يحسم امره؛ فإذا قرر القارئ أن القوانين قوانين الطبيعة تظل سليمة، وتسمح بتفسير الظواهر الموصوفة؛ فهو بلا شك قد دخل في السرد الغرائبي، ما إذا قرر أنه ينبغي قبول قوانين جديدة للطبيعة يمكن تفسير الظواهر بواسطتها فقد دخل في السرد العجائبي”.( )
الخلاصة أن النسق الروائي الظاهر في رواية “الثلاثة” ليوسف نجيب نسق ذو حساسية فنية مركبة، محرج وقلق يأبى الانضباط فنيا إلى قالب جاهز. أنتج نفسه بعيدا عن سلطة التصنيف والرقابة القبلية يحمل في ثناياه رغبة جامحة في التمرد على الأنماط المعهودة وإعادة بنائها. أما على مستوى نسقه المضمر فإن بؤرة المعنى والدلالة فيه تتمركز حول السياق السوسيوثقافي المهيمن الذي انوجد فيه الكاتب. وهو سياق تطبعه التناقضات والفوارق والتشظيات الاجتماعية وانعكاساتها على البنى النفسية والعقلية لجيل كامل مما يجعل الأفراد يميلون إلى التعدد في ذواتهم، إلى التعامل مع واقعهم باعتباره خشبة مسرح شاسعة تدعم الأقنعة المتعددة والوجوه المتعددة إلى درجة التناقض. رياء اجتماعي ونفاق وادعاءات وتزييف وتكيف في المواقف. الحقيقة الوحيدة الثابتة هي البحث عن فرص للعيش. يقول الكاتب: ” حسنا كما تريد، أنا مرتد وجوه، هذا ما أفعل من اجل العيش، أو بالأحرى هذا ما اعتدت فعله”( ) . ويقول: ” أكتشف اننا نعيش في عالم بوجوه ليست لنا، لا تمثلنا، نلزم أنفسنا على فعل ما لا نرتاح فيه، كي يرتاح الآخرون وحسب، الذين هم بدورهم يفعلون ما لا يرتاحون فيه، أراد أن يدمر كل شيء، أراد أن يشعل نبران الفوضى كي يسقط كل شيء ونبدأ من جديد في كتابة القوانين”( ).
يظل سؤال الانتماء وتأصيل الهوية وبناء معالم المستقبل حاضرا ومحركا في النسقين الظاهر والمضمر في هذا العمل الإبداعي. فجاءنصاللبدايات العالقة التي تنتظر الميلاد في أية لحظة ممكنة. كما جاء نص نهايات انتظار قطار البوح في زمن هو سليل تاريخ يتداخل فيه الذاتي بالموضوعي من أجل تشييد فرادة إبداعية متميزة نجح الكاتب يوسف نجيب في استخلاص شهادة ميلادها عن جدارة واستحقاق.

 نجلاء الوركلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.