الرئيسيةالأولىما هذا الذي يفعله الإنسان فوق الأرض؟…مدخل إلى الإيكولوجيا السياسية..

ما هذا الذي يفعله الإنسان فوق الأرض؟…مدخل إلى الإيكولوجيا السياسية..

“لقد وصل النوع البشري الى نقطة فريدة في تاريخه – يكفي أن نلاحظ تدمير الأنواع، أنسوا النوع البشري.. ان تدمير الأنواع يتم بنفس الحجم الذي حدث به قبل 65 مليون سنة، عندما ولج نيزك ضخم الغلاف الجوي وارتطم بالأرض ومحى من الوجود الدينصورات وعددا كبيرا جدا من الأنواع.. – ما يسمى بالتدمير الكثيف للأنواع.. ان هذا بالذات ما يحدث مرة أخرى في هذه اللحظات، و البشر هم النيزك.. اننا نوجد على اللائحة، لائحة التدمير، وليس بعيدا، في المراتب القريبة جدا..”.. ناعوم شومسكي Chomsky..

“اليوم، وفي مواجهة الأزمة البيئية العالمية، يوجد العالم في حاجة مرة أخرى للشجاعة. شجاعة التفكير بشكل مختلف، شجاعة التخلي عن بعض الأشياء من أجل كسب أخرى أقل مادية، شجاعة السير نحو الآخرين، شجاعة الاعتراف بأخطائنا، شجاعة رفض الظلم في هذا العالم، شجاعة مواجهة المنطق الذي يسير بنا نحو الهاوية”.. يان-أرتيس برطرانBertrand..

يدمر الانسان المعاصر العالم الطبيعي الذي يتوقف عليه البقاءla survie بسرعة رهيبة.. العناوين الأساسية: اجتثاث الغابات، تجفيف المستنقعات، اقتلاع الشعاب المرجانية، تعقيم/تمليح salinisation/stérilisation الأراضي عبر الزراعة الكيمائية، تلويث الأنهار/البحار، تسميم الأكل.. و الأن فان كل الكائنات/الأنساق الحية تقريبا تحمل في أنسجتها أثار المواد الكيمائية الفلاحية أو الصناعية، وكثير منها يشتبه بقوة في كونها مسرطنة..لقد قاد التخريب نحو اختفاء عشرات الألاف من الأنواع مما لايعرف عنها العلم الا القليل جدا.. أما الغلاف الجوي، ذلك البارامتر الاستراتيجي الذي يوجد على حالة كارثية بسبب الغازات الاحتباسية، فهو لم يعد يقم بوظائفه التاريخية.. ان المناخ في تغير مستمر والنتيجة أننابدأنا نعيش في ظل شروط بيئية صعبة.. واذا ما استمرينا في اللعبة، فان الأرض ستصبح عاجزة تماما في غضون العقود القادمة على المحافظة على الأشكال المركبة للحياة، التي هي ببساطة شديدة الأشكال التي تشد البقاء.. الخطأ الفادح – وغير القابل للإصلاح- هو أن نحول الكوكب الى مركب من أجل الهاوية، الى مشروع تيتانيك..

ولكن لماذا كل هذا التخريب؟ السبب هو جري المجتمعوراء النمو الاقتصادي الذي هو سيرورة بطبعها ترفع بشكل نسقي من وقع الأنشطة الاقتصادية في محيط أصبح عاجزا أكثر فأكثر على تحملها..

هناك رأي متداول بقوة عند عموم الجمهور بل وحتى عند خاصتهم بل وحتى عند “صانع” القرار الدولي/المحلي مفاده أن سؤال البيئة لايعدو أن يكون ترفا فكريا.. ان البيئة هيأي شيء الا ترفا.. ولدي دليل.. ودليل قوي فيما أعتقد.. ان التحاليل العلمية تبين – من الفيزياء الى الكيمياء مرورا بعلم المناخ- أن ديناميتنا نحن البشر، الدينامية الانتاجية/الاستهلاكية المتنامية، بدأت، ولأول مرة في تاريخنا، تصطدم بحدود المجال الحيويbiosphère..ان التحاليل العلمية تبين، وبشكل لا لبس فيه، أن التخريبات التي نحدثها فوق الأرض وصلت الى مستويات بدأت تهدد شروط بقائنا وبقاء كل شركائنا الأخرين (حوت، فراشات، باكتيريا….).. الرهان/الخطر اذن حقيقي.. والاستمرار في الدينامية، في الانتاج/الاستهلاك/القضم هو لا أقل و لا أكثر قرار بالانقراض، الانقراض الكوني.. عدونا اذن هوشيء رهيب في بساطته، في بداهته، هو “الرغبة”، الرغبةنحو المزيد من الانتاج/الاستهلاك، أي بعبارات الايكولوجيا السياسية، نحو المزيد من التخريب و الهدم.. لنتفق في البداية على أمر على درجة عالية من الأهمية: مستحيل الاستمرار في نمو/قضم لانهائي في ظل كوكب بموارد محدودة/منتهية.. ان من يومن بالعكس هو اما أحمق أو………اقتصاديéconomiste..

وفي التعبير القوي لشومسكي، نحن ننفذ حرفيا دليل استعمال من أجل الانتحار Mode d’emploi pour suicide.. في التصور المهيمن – والملغوم-  لاقيمة للطبيعة الا قيمة استعمالنا لها، لا قيمة للطبيعة/الحيوان/النبات/الباكتيريا الا وهي بين أنيابنا.. الا وهي تحققانتشاءاتنا، رعشاتنا.. ما يهم هو أن “نعيش”، خارج ما يمكن أن تحدثه هذه الاستراتيجية في الجهة “الأخرى”.. وهذه رؤية/لعبة بأثار جدية تماما، على الكوكب بطبيعة الحال، و لكن أيضا علينا نحن أنفسنا.. مستقبل وجودنا ووجود كل شركائنارهين بإحداث تغيير شامل وعميق في هذه اللعبة.. مستقبلنا رهين بعقد جديد مع الأرض Un Nouveau Pacte avec la Terre ..

ان حياتنا توجد بشكل كامل بين يدي الطبيعة.. يجب أن نقر بذلك ونعترف بأفضال أمنا الأرض علينا.. لقد فصلنا أنفسنا عن كل اعتراف و تحولنا إلى ألة لتدمير الأرض، حاضنتا التي لايمكن تعويضها.. ان من يبصق في وجه الأرض هو كمن يبصق في وجه أمه.. ببساطة شديدة..

يجب أن نقول – كحل جذري لمشكلة الوجود- أننا جئنا من نفس الأصل وأن الانفجار الأول أعطى المجرات والكواكب و .. مثلما أعطى الحيتان و الحشرات و …..البشر…. نحن اخوة الكواكب والنجوم والمحيطات والأشجار.. ودون هذا الفهم للعالم ولوجودنا داخل العالم سنظل في قلب كل تلك التشوهات التي تمنعنا من فهم أهم شيء في الحياة: كوننا خلقنا لنلعب دورنا مع الآخرين، لا لنصفي الآخرين لصالح دورنا.. مثلما تلح علينا الخرافة الابراهيمية الجميلة..

ان المدخل الاستراتيجي لوقف المحرقة هو تغيير رؤيتنا الاستراتيجية نحو الأرض: يجب الإقرار، الأن قبل الغد، أن الأرض هي أكبر كائن حي بيننا.. كائن له نفس الحقوق التي نطالب بها لأنفسنا..

ان ما تحلم به الايكولوجيا السياسية هو أن تساعد في اطلاق سيرورات تغييرية أساسية في سلم قيمنا، أحلامنا، أولوياتنا، في نوع حضورنا فوق الأرض.. تريد أن تردنا الى أنفسنا، أن تنبهنا الى ما نشكله نحن من خطر على الأرض، أي، في النهاية، على أنفسنا، وعلى الأخرين الذين يشاركوننا سفرنا..ان رهان الفكر الأخضر هو إنجاح الخروج من نوع espèce الانسان الصانع homofaber، الانسان المسؤول الأول عن تخريبات عالمنا، نحو نوع الانسان البستاني jardinier ، وأنتم تعرفون ما يقوم به البستاني: السقي/الرعاية الدائمة.. يتعلق الأمر بإطلاق أخلاق منتبهة الى هذا الذي يحيى/يتحرك خارجنا، الى هذا الذي له الحق في أن يحيى خارجنا.. الرهان هو الوعي بوهم الأرض/الشيء الميتsubstrat الذي ينتظر تدخلنا حتى يحيى.. الأرض هي أكبر كائن حي نعرفه.. ولها الحق في أن تكون خارجنا.. خارج أية نظرة لنا عنها..

تصوري العميق أنه في كل الملفات الاستراتيجية ( تلوث، تخريب، استنزافات للعالم و للبشر..) لم يعد لنا خيارات كثيرة.. هوامش الفعل تضيق كل يوم أكثر.. والحائط يقترب كل يوم أكثر.. قد تفشل الحكومات.. لكننا نحن الشعوب ليس مسموحا لنا بذلك.. يجب أن يعلم الكل أن الوقت ليس وقت “توافقات”، “تفاهمات”، “حلول وسط”.. الوقت وقت حسم.. في موضوع البقاء ليس هناك مجال ل”الاختلاف”، ل”قبول الرأي الأخر”، ل”التعدد”، ل”الديموقراطية”.. في موضوع البقاء لاخيار لنا الا الانتصار..

المشكل اذن هو مخيال الحداثة.. وعدتنا الحداثة بالخروج من الجوع، من الفقر…. وعدتنا بالتقدم.. ولقد حققت نتائج كبيرة جدا على هذا المستوى.. لايمكن أن ننكر ذلك.. لكن الجري وراء النمو/الإنتاج/الاستهلاك/الرفاهية/المال/القوة/التعملق تم ولازال يتم على حساب الأرض.. الحداثة استنزفت ذاتها.. من حقنا أن نعيش لكن ليس بالهدم، ليس بالدم.. الأرض هي أمنا الأولى والأخيرة.. أليست هي من تطعمنا، تحن علينا؟ حافظ على الأرض.. انها كل شيء، ما يمنحك كل شيء، يحميك من كل شيء.. لاتبصق فوقها.. أكرر: ان من يبصق في وجه الأرض فكأنما يبصق في وجه أمه..

الانسان البيئي هو انسان الحياة في كل حالاتها.. ومشكله الأول والأخير هو المال والقوة.. وعندما تكون ضد المال والقوة فانك تكونبلا شك ضد مجموع المفاهيم “الأنتروبولوجية” الأخرى.. الانسان البيئي/البستاني يرفض الظلم في العالم، يرفض أن تأكل أقلية العالم، يرفض الفوارق الرهيبة بين مختلف أجزاء الكوكب وبين أبناء الشعب الواحد، يرفض الفيلات، يرفض الاستعمالات البهيمية للبشر، يرفض أن يستهلك طفل أمريكي 25 مرة أكثر مما يستهلكه طفل جنان لقرود بفاس.. يرفض الأكل المصنع..

هذا الرجاء الأن.. عزيزي القارئ/الأستاذ.. وكيفما كان التخصص أو الموقع.. اعلم أن الانسان هو الحيوان الوحيد الذي يخرب شروط وجوده/استمراره فوق الكوكب.. وكل يوم بطريقة جديدة.. و كل يوم بشغف أكبر.. ان الانسان، بهذا المعنى، هو مرض، هو سرطان الأرض.. لقد أصدرت كتاب“انقاذ الأرض” لأقول، من ضمن أشياء أخرى، أن الانفتاح على الفكر الأخضر هو الثورة التي تنتظر العلوم الانسانية/الفلسفية.. والا سنبقى نجتر التيمات البالية.. والا سنبقى خارج السياق.. خارج التحولات الخطيرةلعالمنا.. لنقم كأساتذة بما يتوجب فعله و نعد بناء مواضيعنا، رهاناتنا.. لايمكن أن نبقى في قلب “العلوم الانسانية”، و”الفلسفة”، و”السوسيولوجيا”، و”علم النفس”، والرياضيات، والجيولوجيا، فيما الهاوية، من جهتها، تستمر في الاقتراب..

مؤخرا كتبت دونيلا مدوز، وهي واحدة ممن ساهموا في تأليف التقرير الشهير المعروف بتقرير نادي روما (1972)[1]، قلت كتبت ما يلي: “لقد خسرت البشرية ثلاثين سنة. إذا كنا قد بدأنا في سنوات السبعينات في بناء بدائل للنمو المادي، لكان بالإمكان أن نرى المستقبل بأريحية أكثر. كل يوم يستمر فيه النمو الأسي exponentiel يقرب نسقنا البيئي العالمي من الحدود الأخيرة لنموه. أن نقرر ألا نفعل أي شيء، هو أن نقرر الرفع من مخاطر الانهيار”..[2]

اسمحوا لي في النهاية بهذه الكلمات لايريك فروم، وهي تكثف في نظري الأفق الذي يجب على كل واحد منا أن يتأمله: “ان الحب هو الجواب الصحيح على مشكلة الوجود البشري لو أننا أدركناه وفهمناه بطريقة صحيحة باعتباره اهتماما بحياة الأخرين وشعورا بأننا جزء من كل، وأن نشترك في العمل من أجل سعادة البشرية”[3]..

ألخص.. نحن نوجد أمام ثلاثة تهديدات بنيوية: الاحتباس الحراري/ارتفاع حرارة الأرض، التدمير البيئي، افقار الموارد.. تلزمنا أكثر من الإصلاحات التقنية.. مستقبل البشرية/الأرض رهين بتفعيل هذه المبادئ الثلاثة: الإنتاج دون تخريب، استهلاك أقل، توزيع أفضل للخيرات..

الايكولوجيا العميقة، فرصتنا الأخيرة قبل الارتطام؟ السنوات القليلة جدا القادمة ستقدم لنا الجواب الحاسم..µ

 

محمد منير الحجوجي

 

 

[1]التقرير الذي حذر بشكل مبكر من اللعبة، لعبة الرغبة، العيش، القضم، التخريب..

[2] من أخر ما كتبته الراحلة العظيمة: “Thinking in Systems”، سنة 2001.

[3] ايريك فروم : “L’artd’aimer”، سنة 1999، ص 77..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *