الرئيسيةالأولىتجارة الجمال والعوالم الافتراضية

تجارة الجمال والعوالم الافتراضية

من منا لا يملك معاييره الذهبية بخصوص الجمال، على الأقل حسب زاويتنا نحن، فبالأخير لكل منا منظوره المتفرد للجمال، خاصة ونحن في عصر أضحى فيها العالم كوخ صغير وليس فقط مجرد قرية، وهذا طبعا بفضل تطور مواقع التواصل والشبكات الاجتماعية ومنصات تبادل الرأي التي تلعب دورا محوريا في التأثير على الذوق العام والرأي العام للمجتمعات والتي تعد مثل الخبز الذي يستهلك يوميا لاسيما من طرف الشباب والأجيال الصاعدة، وهنا سنتذكر تطبيق انستغرام ” اليوتوبيا الافتراضية” الذي يعرض لنا الحياة المثالية والجمال السامي الذي لا يشوبه عيوب أو نقص فأصبح المصدر المثالي الذي يبلور لنا مجموعة من المعايير والصفات الجمالية التي تقترب من الكمال والتي يمررها للمتلقي بصمت حتى يكتشف نفسه أو قد لا يكتشفها إطلاقا ربما.. بأنه وقع في فخ البروباجاندا التجارية التي تستهدف بدقة طبقة اجتماعية محددة، التي تملك الإمكانيات المادية للوصول لهذا الجمال المصنع بينما الفقير يظل يتخبط بين مشاعر النقص والبشاعة.

والمدهش أن هذه الظاهرة تملك مجتمعا واسعا من الداعمين والمؤيدين غير مكترثين لخطورة الأمر، فطبعا أي أمر يحضر فيه الربح والمال يصفق له العالم الرأسمالي ولو على حساب الإنسان والإنسانية لهذا نجد أن هناك نمط عيش جديد كل همه السعي وراء هذا الجمال المزيف الذي ينتج في الشبكات الاجتماعية وصفحات التجميل وبرامج المشهورين والطبقات الغنية بحيث يروجون بلهفة لهذه المعايير المحددة من طرفهم سلفا حسب الصناعات الأكثر ربحا كالسينما و الموسيقى وغير ذلك من العوالم المشهورة التي يمكنها استهداف المستهلك تجاريا.
مع أننا يمكننا أن نتعلم من التاريخ الذي قطع شوطا كبيرا بإنتاج حضارات زاخرة بثقافات متعددة التي يمكن من خلالها الوصول لمفهوم الجمال بشكل سليم، لكن هيهات أن تسمح بهذا ثقافة العالم الافتراضي التي تعاش أكثر من العالم الواقعي والتي تعبر كل حدود العالم بلمح البصر والتي تصل لكل الفئات دون أي حواجز تذكر. وهنا بالضبط يكمن خطرها في هذا التحكم والسيطرة في لا وعي الإنسان وفي عما يكونه هذا الإنسان وتجليات كماله ومثاليته.
والملفت للنظر في كل هذا العبث هو أنه مهما الإنسان حاول أن يكون جميلا بقوة أو أن يبدو مثاليا وفق هذه المعايير التي تحققها العديد من المنتجات والكريمات أو أساليب عيش مفعمة بالرفاهية، فهو دوما يظل بداخله ذلك الشعور بالنقص أو الزيف لقناعته أن الجمال الأعظم أو الجليل والأبدي يظل بعيدا وأن عليه دوما اكتشاف طرق وسبل جديدة مبتكرة للوصول إليه.
والحكمة من كل هذا هي أن الإنسان سيظل دوما يعاني ويتعب ويسعى من أجل هذا الجمال والمثالية قصد أن ينال إعجاب الآخرين وهذه فطرة إنسانية لا يمكن أن تكون عيبا، لكن العيب والمؤسف هو استغلال هذه الحاجة الطبيعية لأغراض تجارية ومصالح تبعد الإنسانية عن جوهرها السليم وعن جمالها البسيط والحقيقي.

 

أحلام الضاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.