الرئيسيةالأولىسؤال الحلم والواقع في ديوان “أحلام بلون الشّفق..” لخديجة بوعلي

سؤال الحلم والواقع في ديوان “أحلام بلون الشّفق..” لخديجة بوعلي

هل مازال في وُسع الإنسان العربي اليوم، أن يحلم، في ظل ما يشهده العالم العربي من تمزقّ سياسي واجتماعي يجعلانهِ يُفكر في جدوى الحياة داخل واقعٍ مرير كهذا؟
قد يكونُ هذا السّؤال مدخلا أوليا لقراءة نصوص “أحلام بلون الشّفق”، التي تنتصر فيها الشّاعرة لإرادة الحلم، رغم ما قد تصطدم به هذه الإرادة، من انكسارات متتالية تًذكيها رواسب الماضي ومآسيالحاضر. لكن، مع ذلك، ومادام في وُسع الإنسان أنْ يحلم –باعتبار الحلم حقا طبيعيا من حقوق كل إنسان في كل الأحوال-فلم لا يحلم؟!
تأسيسا على هذا الفهم، تغدو القصيدة عند خديجة بوعلي، في نصوص هذا الديوان، مرفأ آمنا لبث أحلامها، وما يعتملُ فيها من مشاعر الفرح والحزن، لتتلوّن بهواجس الإنسان العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، وذلك ضمن رؤيةتُصَوّرُعلاقة الإنسان بالوجود والعلاقات التي تحكمه داخل حياة تشهد استيلابا لكل القيم والمبادئ الإنسانية التي توارت في ظل سيطرة المادة على الروح.
إن وعي الشاعرة بأزمة الاستيلاب وفداحتها، جعلها تصرخ صرخة في وجه الإنسان العربي، الذي بات يجد نفسه محصورا بين ماضٍ مليء بالخيباتِ والنكسات، وواقع متردّ تؤثثه الصراعات والنزاعات، ومستقبل ملغوم غير بيّن المعالم.
ولئن كان من حقّ العربي أن يحلم –ولو حتّى لمجرد الحلم كفعل لا أكثر- كما سبقت الإشارةُ؛ فإن أحلام الشاعرة تتخذهنا،لون الشّفق (مع ما قد ينطوي عليههذا الاختيار من تلميح إلى الزوال والانتهاء)؛ وهي أحلام سُرعان ما تُواجهُ واقعامأزوما. يدلِّلُ على ذلك، عناوين أكثر نصوص الديوان: هذيان انكسار؛ آه منك يا زمن؛ ثورة سؤال؛ القدس يستنجد؛ أغصانُ الرّياء؛ وأد حضارات؛ الأرق اللعين؛ صدمة ذات اليوم .. وهي عناوين دالة، تعكس في مجملها، التزام الشاعرة -لحظة الإنجاز الشّعري-تجاه واقعها، وما يعتوره من قيم سلبية تؤرق خاطرها، فلا تجدُ لهذا الأرق إلّا القصيدة لتبث صرختها من جهة، ولتعكس من جهة أخرَى، ما تواجهه الذات من نزاعٍ محتدّ بين الأمل/ اليأس والحلم/ الواقع، يُزاحم أحدهما الآخر. وإذا كان هذا التداخل، بين هاتين الثنائيتين، يُمكن تلمسه في مقاطع متفرقة من نصوص الديوان، فإننا سأقتصر هنا -تجنبا للإطالة- على قصيدتين -على سبيل التمثيل لا الحصر- في محاولة لتلمّس هذا الحضور، وهما: “صهوة الأمل” ص 4؛ “هذيان انكسار” ص 22.
تقول في القصيدة الأولى، وهي أوّل نص في الديوان:
صهوة الأمل أمتطي
علّني أكون اليومَ
ضاحكة مُستبشرة
أرقص على جدائل
الشّمس الذّهبية
أنتشِي كما البدر
في الظلماء عاليا
أبتسم مِلء المسافات …
على طول المدى
أغزل الأفراح والمسرَّات
وأحْبِك منها رداءً للخيبات (ص 4-5).
وإذْ تُحلّق الشاعرة فوق صهوة الأمل، تحلم بأحلام ممزوجة بالأمل، علّها تكون بلسم فرحٍ وسُرور، لا تنفكّ تصطدم هذه الأحلام بثقل الواقع، ممثلا في الماضي المليء بالإحباطات والانكسارات:
أغض الطّرف
عن إحباطاتي المتتالية
وأحجبُ عن لحظ العُيون
انكساراتي البالية

أغلق فَوهة حِمم متطايرة
من شوق وحنين
لأيام خَالية …
وأكتم شرارة حبّ
أصبح ماضيا .. (ص 6-7).
يتعايشُ الحلم هنا مع الواقع؛لكن دون أن يرتفع أو يتعالى عليه. فمقابل الأفعال: أمتطي، أرقصُ، أنتشي، أبتسمُ، أغزل، أحبك.. هذه الأفعال التي وردت على صيغة المضارع الدال على استمرار الفعل، مُسندًا إلى المتكلم/ الشاعرة، تُطالعنا، في القصيدة نفسها، الأفعال: أغض، أحجبُ، أغلق، أكتم ..تحمل السمات نفسها؛ إذ هي على صيغة المضارع كذلك، ومسندة إلى المتكلم أيضا. وهي تُحيل حسب سياق القصيدة على أيامٍ ولّت، ويصعب أن يجود الزمن بمثلها لانتفاء الأسباب المهيّئة لذلك.

ويتجسّدُ الحلم في مواجهته للواقع، في القصيدة الثانية،وهي: “هذيان انكسار”، وللعنوان دلالاته الموحية بالاستسلام وفقدان القدرة على المواجهة والصمود. تقولُ الشاعرة:
لن أسيرَ بَعد اليوم
ضدّ التّيار
ولن أتّبع السراب
المنكَّهَ بالبهاء
سَأُقَاطِعُ حظي
المتعثر في كلّ اتجاه
وأبتسم رُغم
مرارة الأوجاع
أنظف أحداقي
من عبرات الشّوق
وأنين الاغتراب (ص 22-23)
لا شكّ أنّ الذات في هذيانها، تُقاوم انكسارها، متشبثة بالأمل قبل كلّ شيء، وهو الأمل الذي يُمكّنها من الصّمود رغم مرارة الأوجاع والإحساس بالاغتراب الذي يُلقي بثقله عليها. ومع فداحة هذا الموقف، تستمر الذات في إصرارها وتحديها، لتُواجه كل ما من شأنه أن يوقف هذا الإصرار وهذه العزيمة بشكل لا مجال فيه للتردد أو الاستسلام، ويؤكد ذلك استخدام الشاعرةللناصب “لن” المتبوع بالفعل المضارعوالدال على نفي الشيء الآتي، أو لسين الاستقبال المتبوع كذلك بالفعل المضارع، على الشكل التالي: لن أسير؛ لن أتبع؛ سأقاطعُ.. كما في المقطع السَّابق؛ أو: لن أرقب؛ لن أهيم؛ لن أعترفَ؛ لن أفتح؛ لن أكثرت.. في المقطع التالي:
لن أرقب عند مفارق
الحنين…واللَّهفة
ما استحال من الأمنيات
لن أهيم في تضاريس
التيه كُل يوم
حتى المساء
فأتوسّد الوهم والآه
لن أعترفَ مع ومضة
كُل صُبح بالانكسارات ( ص 23-24).
هذا التداخل بين الحلم والواقع، نجده حاضرا في نص آخر، هو: “لحظات سكينة”: وهو نصّ يتمظهر فيه تطلع الذات الشّاعرة إلى عالم أكثر صفاء من الواقع، هو جنّة الخُلد، وفيها تنتشي الذات كالحورية بين الأنهار الجارية والقطوف الدّانية:
للحظات….
خلتني أرفُلُ في جنة
الخُلد كالحورية
جوار أنهار جَارية
وقُطوف محبّة دانية (ص 38-39).
وعلى غرار هذه المقاطع السّابقة التي جاورت فيها أحلام الشاعرة واقعها، يتبدّى هذا التّدافع بين الموضوعتين في هذه القصيدة بشكل جليّ، فبعد أن تنتشي الذّات بلحظات السّكينة التي غمرتها، لا تلبث أن يثوب إليها رُشدها عندما تُواجه الواقع من جديد:
وللحظة…. !
اهتزّ الحلم بداخلي
وأهدانِي الواقع
صفعة مُدوية
لفظني الهدُوء والسّكينة….
أعادني لأرض الظلم
والاستبداد ثانية (ص 39).
وعليه؛ فإن خديجة بوعلي، إذ تنثر بدور أحلامها في صفحات الديوان، على أمل أن تنمو ويشتدّ عودها، لا ترتفع على الواقع أو تتغاضى عما يغرق فيه من نكسات وانكسارات، هي الأخرى نجد بعضا منها مجسّدا في نصوص أخرى من الديوان نفسه، ومنها: “القدس يستنجد”، و”وأد الحضارات”، … وإيمانا منا، بأنه لا قراءة تختزلُ النّص كما يُقالُ، فإن قراءتي المتواضعة للديوان، من منطلق الحلم في مواجهة الواقع، لا تعدو أن تكون مُقترحا أوليا لقراءات أخرى تثريها وتتجاوز ما قد يشوبها من قُصُور، لاسيما وأنّ الديوان لا يزال حديث الظهور بعد أن احتفت الشاعرة بباكورتها الشعرية هذه، يوم الجمعة 6 أبريل 2018، في الحفل الذي خصّصه “مركز روافد للأبحاث والفنون والإعلام” بمدينة خنيفرة.
-أستاذ التعليم الثانوي الإعدادي، حاصل على شهادة الماستر في الأدب المغربي.
-أحلام بلون الشَّفق (شعر)، خديجة بوعلي، مطبعة ووراقة بلال، الطبعة الأولى 2017.

 

عبد الغني الخلفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.