احتضنت مدينة أصيلة، ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته الخريفية السابعة والأربعين، حفل تقديم وتوقيع رواية الكاتب والمسرحي إدريس كسيكس «أنسجة الفوضى»، التي صدرت أصلاً باللغة الفرنسية سنة 2023، قبل أن تصدر حديثاً في ترجمة عربية أنجزها الكاتب والمترجم محمد حمودان عن دار الفنك في 281 صفحة.
وتشكل «أنسجة الفوضى» ثالث تجربة روائية لإدريس كسيكس، حيث يختار الكاتب مدينة الدار البيضاء فضاءً مركزياً للأحداث، مستعرضاً تحولات المشهد الحضري من خلال سبع شخصيات محورية، في عمل يتقاطع فيه الأدبي بالجمالي والفني، ويطرح أسئلة حول مكانة الفن ووظيفته داخل المجتمع. وتتحول الأعمال الفنية في الرواية إلى ما يشبه المرايا التي تعكس التحولات العميقة التي تطال علاقة الإنسان بذاته وبالمحيط الذي يعيش فيه.
وأعرب كسيكس عن تقديره للنسخة العربية من روايته، مشيداً بترجمة محمد حمودان، التي اعتبر أنها نجحت في استعادة ذاكرة المكان والأسماء وتفاصيل الحياة المادية بلغة بليغة وبأسلوب يحمل قدراً كبيراً من الخيال.
وفي حديثه عن خلفيات كتابة الرواية، أوضح إدريس كسيكس أن تجربته تأثرت بشكل خاص بالروائي الأمريكي توماس بينشون، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بأدب ما بعد الحداثة، ولا سيما في طريقة تناوله لتحولات المجتمع وتعقيداته. وأشار إلى أن اهتمامه بهذا النوع من الكتابة يمتد لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، خصوصاً ما يعرف بـ«رواية المدينة»، التي تنشغل بالبحث عن الأشكال الجمالية القادرة على التعبير عن تعقيدات الفضاء الحضري وتحولاته.
وأوضح الكاتب أن الرواية ترتبط كذلك بثلاث محطات أساسية من ذاكرته الشخصية بمدينة الدار البيضاء. وتتمثل الأولى في سنوات دراسته بثانوية مولاي عبد الله وتأثره بأستاذ مادة التاريخ والجغرافيا، بينما ترتبط الثانية بهدم مدرسة شُيدت خلال عشرينيات القرن الماضي، وكانت تمثل جزءاً من الذاكرة والتراث اللامادي للمدينة. أما المحطة الثالثة فتتصل بالتغيرات العمرانية والاجتماعية التي عرفتها أحياء الدار البيضاء القديمة قبل نحو ثلاثة عقود.
من جهته، اعتبر رئيس منتدى أصيلة، حاتم البطيوي، أن «أنسجة الفوضى» تقدم إسهاماً أدبياً لافتاً في تناول المجال الحضري المغربي، خاصة مدينة الدار البيضاء بما تختزنه من طبقات عمرانية وتنوع بشري وتشابكات اجتماعية. وأكد أن الرواية تقدم تجربة سردية مركبة تتجاوز الأشكال التقليدية، وتفتح نقاشاً حول تحولات الزمن الراهن في مرحلة ما بعد الثورة الرقمية، من خلال مساءلة الحدود الفاصلة بين النظام والفوضى، وبين الذاكرة الفردية والواقع الاجتماعي المركب.
وأضاف البطيوي أن العمل يدفع القارئ إلى التفكير في طبيعة العلاقة التي تجمع الإنسان بالعالم المحيط به، وفي الطريقة التي تتداخل بها التجارب الفردية مع التحولات الجماعية، مشيراً إلى أن الأدب يمتلك القدرة على تحويل هذا التداخل إلى مساحة للتأمل وإعادة اكتشاف الذات والآخر.
بدوره، توقف الباحث والناقد والأكاديمي المغربي شرف الدين مجدولين عند العلاقة التاريخية المعقدة بين المدينة والرواية، معتبراً أنها من أكثر العلاقات حضوراً وتعقيداً في تاريخ الأدب منذ القرن السابع عشر. وأوضح أن رواية «أنسجة الفوضى» تقوم على ثلاثة مستويات أساسية تتمثل في المعماري اللغوي، والفني المسرحي، والوجودي المعرفي.
وأشار مجدولين إلى أن الرواية، بخلاف المسرح الذي يقوم على لحظة مكثفة وفعل يحدث فوق الخشبة، تتميز بقدرتها على التمدد في الزمن واستشراف المستقبل، دون أن تحاصرها حدود جغرافية أو زمنية ضيقة. ومن هذا المنطلق، تتعامل الرواية مع مفهوم المدينة باعتباره فضاءً سردياً قادراً على استيعاب قضايا التمدد العمراني، ومشكلات السكان، وأسئلة الانتماء والعيش المشترك.
ويعد إدريس كسيكس، المزداد بمدينة الدار البيضاء سنة 1968، من الأسماء المغربية التي راكمت تجربة متنوعة في الكتابة المسرحية والروائية والمقالة، إلى جانب مساهماته الأكاديمية في مجالات الأدب والإعلام والثقافة. ومن بين أعماله «في مضيق ابن رشد»، الصادر عن دار الفنك سنة 2017 وعن دار فيار سنة 2019، إضافة إلى كتاب «مهنة الفكر: حوار مع خمسة عشر مفكراً من المغرب»، الذي أنجزه بالاشتراك مع فاضمة آيت موس ضمن سلسلة «منشورات الجامعة المواطنة».
طنجة الأدبية

