الرئيسيةأخبارفيلم “كذب أبيض” يجمع بين الخاص والعام بأسلوب متفرد

فيلم “كذب أبيض” يجمع بين الخاص والعام بأسلوب متفرد

شهدت قاعة سينما كاميرا بمكناس، مساء الإثنين 19 فبراير 2024، تنظيم عرض افتتاحي لفيلم “كذب أبيض” بحضور مخرجته أسماء المدير وموزعة الفيلم مليكة شغال وأم المخرجة ووالدها. وقد تلت هذا العرض مناقشة مثمرة للفيلم شارك فيها ثلة من المثقفين والفنانين وغيرهم (المسرحي بوسلهام الضعيف، الممثلة فاطمة عاطف، السينفيلي هشام العايدي، مدير مركز التفتح الفني والأدبي…). فيما يلي ورقة مركزة عن هذا الفيلم الجميل:

ما شدني أكثر في فيلم أسماء المدير الجديد “كذب أبيض” (2023)، شريطه الصوتي الذي تضمن مقاطع موسيقية مختارة بعناية ومقاطع غنائية لناس الغيوان والشيخة خربوشة، بشكل خاص، موظفة بشكل منسجم للغاية مع مضامين الفيلم ومناخه العام ومع ما تحكيه بعض شخصياته عن المعاناة النفسية والإجتماعية لسنوات الرصاص (انتفاضة الخبز في يونيو 1981) وعن جانب من التوترات في العلاقات بين أفراد الأسرة (أسرة المخرجة) بسبب شخصية الجدة المتسلطة/الديكتاتورية وحالاتها النفسية المزاجية المتقلبة. فنادرا ما يتم اهتمام مبدعينا السينمائيين بالتفاصيل المرتبطة بالصوت، متناسين أن التعبير السينمائي لا يقتصر فقط على الصورة وإنما للصوت (الأصوات: الموسيقى، الحوارات، التعليق، البرويتاج، الصمت…) دور لا يقل أهمية عن الصورة. بل المتمكن من المخرجين هو الذي يفلح في خلق انسجام شبه تام بين الصورة والصوت لأنهما الركنان الأساسيان في اللغة السينمائية. زد على ذلك المونطاج (صورة وصوتا) الذي يكون له الدور الحاسم في الشكل النهائي الذي سيكون عليه الفيلم.

 

لقد استمتعت كثيرا بالشريط الصوتي لهذا الفيلم وأيضا بمشاهده ولقطاته المصورة من زوايا مختلفة وبالمجهود المبذول فيه خصوصا على مستويات الإنارة والديكورات والملابس وغيرها. وما زادني إعجابا بمخرجته الشابة هو توظيفها للتماثيل (الكراكيز) في إعادة بنائها لأحداث ووقائع من الماضي القريب، أي لجوانب من ذاكرتنا السياسية والإجتماعية، بسبب عدم توفر أرشيف مصور عن تلك الحقبة المظلمة والمؤلمة من تاريخنا المعاصر، حقبة القمع المفرط أحيانا والتضييق على الحريات والشطط في استعمال السلطة، ومرافقتها بتعليق بصوتها أو أصوات غيرها. لقد حاولت أسماء المدير أن تعود بنا إلى انتفاضة الخبز سنة 1981 للكشف عما وقع بالفعل خلالها وعن الأجواء النفسية والإجتماعية المشحونة التي سادت آنذاك وما ترتب عنها من مآسي، انطلاقا من أفراد أسرتها (الجدة والأب والأم والعم…) وأشخاص آخرين عايشوا تلك الأحداث واكتووا بنيرانها، بغية تصفية الحساب مع تلك الحقبة وتجاوزها أملا ألا تتكرر مثيلات لها في المستقبل.

فكرة الإعتماد على التماثيل الصغيرة وتحريكها بمصاحبة تعليق بصوت المخرجة، للتعبير عن وقائع وصراعات إيديولوجية وغيرها في حقبة تاريخية معينة، انطلاقا من الحديث عن أفراد من أسرتها، ليس جديدا لدى أسماء المدير. فقد سبق لها أن اعتمدت هذه الطريقة في فيلم قصير كتبته وصورته وأخرجته وركبته سنة 2013 بعنوان “جمعة مباركة” (13 دقيقة). إذن الفيلم الوثائقي الطويل “كذب أبيض” هو نوع من الإستمرارية المتطورة لهذا الفيلم القصير. وإذا أضفنا إلى هذين الفيلمين فيلمها الوثائقي الطويل السابق “في زاوية أمي” (2020- 83 د)، الذي حاولت من خلاله النبش في طفولة والدتها انطلاقا من عثورها على بطاقة بريدية تمثل القرية التي ولدت فيها أمها، وبالتالي تسليط الأضواء على وضعية المرأة المغربية في منطقة قروية نائية، يمكن القول أن أسماء المدير قد عثرت على الطريقة المناسبة لها في كتابة أفلامها الوثائقية، وهي طريقة تمنحها خصوصية أسلوبية تميزها عن غيرها من المخرجين والمخرجات. أفلامها الثلاثة هذه نجحت في الجمع بين الخاص (ما هو عائلي) والعام (سنوات الرصاص/ وضعية المرأة القروية/ الصراع الإيديولجي) بأسلوب متفرد.

أحمد سيجلماسي

 

ملحوظة: انطلقت عروض فيلم “كذب أبيض” بالقاعات السينمائية الوطنية مؤخرا، وهو مبرمج للعرض بقاعة سينما كاميرا يومي السبت 24 فبراير (في الساعة 14 و30 د) والإثنين 26 فبراير (في الساعة 19 و30 د).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *