الرئيسيةإبداعبنت الكوليزي

بنت الكوليزي

انتفضت من السرير ، الساعة الخضراء الصغيرة التي اشترتها من سوق سيدي بومنديل مقابل لمسة ووعد كاذب للبائع المراهق …تشير الى الواحدة والنصف زوالا ، النافذة مفتوحة على مصراعيها ، السرير مبعثر لم تنقطع مفاصله المتهرئة عن إصدار أزيز مضجر طوال الليل ، أسفل السرير ملابس داخلية ملقاة على الأرض ومنشفة قديمة ومرهم ، على الطاولة الصغيرة البيضاء ذات الطلاء المقشّر كأس به بقيّة و زجاجة فارغة و قشور فستق ومحارم بيضاء مستعملة ، على الجدار مرآة مشققة تعكس نافذة الجيران و الشيخ المقعد المتطفل الذي لا يبرح البلكون يتلصص على باب البناية ليلا نهارا بلسان مندلق وخيال واسع مجنح في المغامرات التي تدور في رأسه الهرم و التي يدور في الواقع أشنع منها .
لقد غادر ذلك المخمور الذي التقته في حانة الروتوند الغرفة تاركا رائحة حذائه النتنة و محاولته الفاشلة قبل النوم بملابسه المبللة بالعرق ولهاثه الكلابي ومزيج من رائحة الدخان و البيرة و شرائح السيسيسون الحميري المقرفة التي تنبعث من جوفه .
لكنه دفع على كل حال، قبل أن يلج بوابة البناية يدفع ، :
هكذا قالت لي منيرة مرشدتي ومعلمتي سنوات قبل أن يعثر عليها البوليس مذبوحة من الوريد الى الوريد قرب قنال مجردة بسبب عنادها ، كانت دائما توصيني :
” اشتغلي بكرامة ، خبزتنا تتطلب الراس” الكاسح” ماكانش مشينا في العفس ” ذلك الرأس “الكاسح” كادت أن تفصله السكين عن الجسد النحيل العنيد .
طردت صورة منيرة التي تتخبط في دماء رأسها الكاسح من رأسها المتصدع من آثار التبغ والكحول وقلة الاكسيجين في الغرفة . القت نظرة خاطفة من النافذة ، حركة الموظفين سريعة إنها فترة استراحة الغداء ، دخلت مسرعة للحمام ، حوض أصابه الصدأ ، حنفية تقطر ، قطعة صابون أخضر هي نفسها في حاجة للتنظيف ، زجاجات فارغة و أكواب بلاستيكية ، خيشة قذرة مشبعة بالمياه الرمادية ، لقد تبول ذلك الخنزير دون أن يسحب صنبور الماء وترك بولا بلون الصديد .
صبت سطل ماء على السائل الأصفر ذي الرائحة المقرفة وغسلت وجهها و أغلب أجزاء جسمها بالماء البارد ، السخان معطب ، و تسخين الماء في قدر على الموقد كما كل مرة يتطلب ساعة إضافية ، سرحت شعرها الكث ، الصباغة ذات اللون الذهبي تراجعت لتفسح المجال لشعيرات بيضاء و أخرى سوداء بدأت تطل مذكرة إياها بالأيام الخوالي ، وضعت أحمر شفاه فاقع اللون ومسحت إبطيها بمزيل للعرق من النوع الرخيص ، حاولت إخفاء التجاعيد التي بدأ تظهر على قسمات وجهها بطلاء يميل للصفرة و نصف اسفنجة صغيرة .. وضعت لوازم العمل بعناية في كيس متين ، منشفة صغيرة مبللة ومعطرة بالصابون ، قطعة الصابون المعطر نفسها ، منشفة صغيرة جافة على حدة و خرقة متسخة . بين لافايات وشارع الحبيب بورقيبة أحست بالجوع فعرّجت على مقهى بإحدى المنعطفات المحاذية لمدخل شارع فلسطين ، النادل حريف قديم قبل أن يتزوج ابنة خاله ، انقطع عنها لقلة المال و الجهد ، فقد كان التعامل معه بالمقايضة أحيانا كما يقول هو شيشة مقابل شيشة ، أو علبة سجائر فاخرة و ووجبة غداء و شحن الهاتف مقابل أمسية تليق بعزوبيته ورأفة بحاله وبجفافه لكنه طيب على كل حال ولم ينسى يوما الماء والملح من مطاعم لافايات الرخيصة.
– أه توا قمت من النوم ، مش مازال بكري .وين بايتة البارح
– بايتة مع أمك . ،، جيب جيب ديراكت و كعبة كرواسون
– باين فيه ما خلصكش متاع البارح
– دا على لونك ، ما خلصنيش اما خلص بيهم امك …جيبلي الخرا خليني نمشي نشوف أوموري ، مانيش فايقتلك
اختفى النادل لدقيقتين وخرج بقطعة مرطبات و منديل أبيض و كأس ماء ، وصرخ في الأثناء : ديراكت للحب …
دلقت القهوة الساخنة في جوفها دفعة واحدة و ألقت نظرة على التلفاز كانت مداولات مجلس نواب الشعب حول الاحتجاجات الأخيرة … بصقت في داخلها و غادرت مسرعة ..
بين شارع فلسطين و شارع الحبيب بورقيبة ، بدت المسافة طويلة أكثر من المعتاد ، المارة يحثون الخطى وكأنهم يساقون من الخلف ، رائحة الشاورما تنبعث من المحلات و الناس يتزاحمون للأكل و الشرب ، بعض المارة يلتفتون يمينا و يسارا و يغيبون داخل الحانات الصغيرة بشارع الحبيب ثامر ، المترو الأخضر البطيء يئن تحت وطأة ما بأحشائه من بشر وروئح العرق … الطقس حار والناس لا تنقطع عن الحركة ، ربما يكون الوقت مناسبا للحصول على حريف فيه بقية طاقة وبقية مال …
في مدخل الكوليزي هواء بارد لفح وجهها من محلات الفضاء التي تعرض كل شيء ولا تكاد تبيع شيئا ، على إحدى الواجهات كان كهلا ثخينا يتأمل محل الساعات ويلتفت يمنة ويسرة كأنما يبحث عن شيء ما ، مرت بجانبه واقتربت منه حتى لامست حقيبتها اليدوية مؤخرته العريضة …
– لا أدري من قال لي ذات يوم أن المدخل لجيب الرجل مؤخرته فإذا كشف عنها أثناء العمل فقد ارتاح وسيكون سخيا في الدفع ، أما إذا كان محافظا متحفظا كان شحيحا والعياذ بالله، ربما منيرة ذات الرأس “الكاسح” نفسها قالت ذلك لم أعد أذكر …
واصلت طريقها نحو حانة الروتوند ، في المرآة لمحته وهو يتأمل مؤخرتها بعناية ..
لقد وقع في الشرك و استفتحنا على بركة المولى .
طلبت زجاجة بيرة باردة ، تأخر النادل كالعادة و كانت تتمنى أن يتأخر أكثر، أطل الرجل الثخين من بعيد مناديا إياها بتردد طالبا منها الخروج . طلبت منه أن يتفضل إلى جانبها ، أشار بيده باشارات مرتبكة غير مفهومة فهمت منها أنه يرفض الدخول وسرعان ما اختفى .
تمهلت قليلا جاء النادل بزجاجة البيرة وطفاية السجائر و اختفى هو الأخر. تركت الطاولة ، خرجت مسرعة ، قبل أن يأخذ التمنع بالزبون بدل أن يثبّته، كان العرق يتصبب منه ، مسندا ظهره على جدار الفضاء العمومي للانترنات …كان متلعثما وكأنه شاب مراهق يلتقي للمرة الأولى حبيبته التي ظل يتبعها خفية لمدة سنة ، فقد الكلام ، سد الريق حلقه زادته نظراتها تلعثما … كانت كعادتها تجعل من الصمت والنظر في وجه الزبون سلاحها ، قال لها أحدهم يوما ما وقد بدت على ملامحه الثقافة والقذارة ، صمتك قاتل ، من يتكلم كمن يضع سلاحه ، كمحارب يغادر خندقه كاشفا نفسه ، الصمت درع صاحبه … لم تفهم كثيرا معنى كلماته لكن على كل حال فهمت أن صمتها أمر جيد .
تلعثم بكلمات غير مفهومة :
– سسامحني …. متفاضية ، ننجم نحكي معاك شوية ؟
– …( صمت )
– راني مش متاع هذا …
– …. ( صمت )
– كككان يقلقك مش لازم …
– أه أش عندك احكي شبيك داخل بعضك ..
– أنا أول مرة …
– داخل تقرا تقلي اول مرة ؟ عندك لوكال ؟ .
– لا لا
– شنوة لا مالا تحب تحت الحيط ؟
– في البيرو …
– هيا
كان المكتب فسيحا مكيفا معطرا على خلاف رائحته المتعرقة ، مكتب فخم وغرفة صغيرة مؤثثة بعناية ، آيات قرآنية تزين كل ركن ، سجادة مطوية وملقاة على الأرضية ، مطفأة سجائر كلها أعقاب ، طقم فخم من الكؤوس وقنينة ماء ، مكتبة ثرية بكتب للزينة مذهبة الأغلفة تشبه المصاحف … دخل الحمام ، سمعت صوت مياه الدوش واشتغل السخان، خرج كفقمة بيضاء تميل للحمرة ببشكير أزرق و أبيض نظيف ، هدأت نفسه قليلا ، ذهب التلعثم لكن كان الصمت سيد الموقف ، دخلت الحمام دون أن تستأذن نزعت ملابسها وجدت غطاء شفاف وضعته على شعرها لا تريد أن يتبلل شعرها في العمل ، ربع ساعة تحت مرش الماء البارد ثم خرجت …
الصمت متواصل ، بدأت تعالجه كثور في مذبح كان مستلق على ظهره بطنه نافرة ، كادت الشحوم تخفي أسفل بطنه ، كان الرجل في عداد الأموات يتنفس بسرعة ،ينظر اليها نظرة باردة باهتة ، حاولت معه، كان نظيفا على كل حال لم تحتج لحقيبتها وللفوطة ولا الصابونة التي يصادف أن تحتاجها لزبون ليس له هذا المكتب ولا هذا الدوش فيكون ملاذه قاعة السينما المظلمة ملاذ أغلب الطلبة و العاطلين و المتغربين …
حاولت بكل أعضائها ، كان رخوا طريا لا يهتز له عصب …
– شبيك يا ولدي ماك لاباس ؟ ديما هكة والا ساعات …
– من سبعة سنين هز ربي متاعو لكن هاني ساعات نحاول …
– أش تحاول وليد عمي شوف طبيب ياوالله نهار أزرق.
– جربت شيء …زيد وسع بالك معايا أنا انسان متدين نخاف ربي ، حرت أش نعمل ، ملي حسيت بالمشكل و أنا من بلاصة لبلاصة نجرب ثماش ما يسهل ربي …وهاك تشوفي .
– الحقيقة … مش عارفة اش نقلك .
دارت عدة أفكار برأسها : انتهت المهمة بالنسبة لها بقي أن يدفع المقابل و تبقى أطول فترة ممكنة بالمكتب المكيف ، قبل المغادرة .
– هذا صيد ثمين و أقل أتعاب ويبدو أنه سيدفع بسخاء … وان لم يدفع أهدده بالفضيحة ..
أغلق الموضوع ودخل في موضوع تمقته :
– لماذا لا تتوبي إلى الله وتتركي هذه المهنة التي تغضب رب العالمين وووو
قاطعته:
– اتلها في روحك عيش بابا وخليك في الي انت فيه … انا ماشية توا .
– باهي ..الحكاية تموت هنا وساعة ساعة نتعدالك ..
– تموت تموت ..
خرج من الغرفة وعاد بعد دقيقتين و ضع في يدها 60 دينارا …
– فرحانة هكا ؟
– … ( صمت )
لا يوجد جواب لكل سؤال له علاقة بالفرح ، كم هو تعيس هذا الرجل ، فكرت أني الوحيدة التي أعاني كل حزن هذه المدينة ، يبدو أن هناك من هو مثلي ، من لا يرى في هذه المدينة سوى مقبرة لجسده الميت ، سبع سنوات كانت كافية لتقبر طموحاته و أحلامه وتوبته و إيمانه و رجولته ،كما ذهبت السبع سنوات بحياتي وأنوثتي وراحة بالي ، سبع سنوات لبست فيها الميني جيب ولبست فيها الحجاب فبقي الزبائن هم أنفسهم و القذارة هي نفسها ، بنت الكوليزي وسأظل بنت الكوليزي حتى لو لبست نقابا أو نقعت جسدي في ” ماء الفرق ” بنت الكوليزي نحتت في أعماقي بنفسية سوداء كمرآة ملوثة مكسورة ، ماذا يعني المكتب و الجاه والمال والمكيف والدوش و طقم الكؤوس الفخم ما دامت النفسية مخربة ومكسورة ، ولا فرق بيني وبينه في التعاسة والعجز والمرآة السوداء المكسورة والعيش في هذه المقبرة الشاسعة …
خرجت من المكتب بشعور غير مفهوم لأول مرة لم تفكر هل تحيل عليها الزبون أم تحيلت هي عليه ، حتى ذلك المخمور ليلة البارحة لم يترك لها فرصة للتفكير فقد نام ونامت وفعل الكحول فعله ما أجمل أن يفعل الكحول فعلته فلا نفكر كثيرا وتمر الأمور كما تمر ، نسيت أن تخبر هذا الثخين أن الكحول ربما يكون حلا له لينظف بعضا من المرآة السوداء المكسورة التي بداخله ولو مؤقتا وينسيه سنواته السبع العجاف ، لكنه قال أنه يخاف ربه . لايهم يبدو أن خوفه بدأ يتلاشى بتكراره التجارب الفاشلة …وسيتلاشى نهائيا لو قامت له قائمة يوما ما .
لفحها الهواء الساخن وعادت إلى الشارع شبه الخالي إلا من بعض المارة يزحفون بجانب جدران المباني زحفا بحثا عن الظل ..ارتمت في تاكسي نحو شقة لافايات كان السائق يشبه عزت العلايلي عروق رقبته نافرة ووجهه شاحب يتذمر طول الطريق من التوصيلة القصيرة و الحرارة و كان خيالها يحاول ترتيب شعورها بين القرف و الشفقة
لا أدري لماذا لكن هذا الثخين الرخو بشبهني في مأساته
… نامت نوما عميقا كما لم تنم من قبل .
بعد ثلاثة أيام انقطعت خلالها عن العمل كانت تجلس مع النادل حديث الزواج فاضي الجيوب والركبتين ، بمقهى الشارع الخلفي لمدخل شارع فلسطين … كانت تشرب قهوة سوداء مرة على غير عادتها ،هي في الحقيقة قهوة النادل استولت عليها ، كان يقلّب القنوات …
وضع التلفاز على الوطنية الثانية فوجد الأذان لم يواصل ،تركه وغادر لقضاء شان ما من المحل القريب ، هذا النادل الذي كان يستغفر ربه كلما فرغ من إفراغ ما بداخله يعتبر تغيير القناة عند بث الأذان من الكبائر …أمي كانت تفعل ذلك أيضا
انتهى الأذان ، بعض الموسيقى ثم ظهر في الصورة رجل يصرخ بأعلى صوته مهددا مزمجرا متوعدا ثم خفت صوته ليتحدث عن الحلول بلكنة توحي بأنه يقول على لسانه دون أن يصدق ماهو مكتوب أمامه … كان شاحب الوجه ، يرفع إصبعا رخوة متجها نحو الكاميرا ، قفزت إلى ذهنها صورة الإصبع الرخو و الشحوم التي فاضت على أسفل البطن انه الرجل الثخين صاحب ذلك المكتب الفخم المكيف الذي شوش أفكارها طيلة يومين ، أتراه نائب على هؤلاء الأموات .
============
– الكوليزي : فضاء تجاري بوسط العاصمة تونس
– الروتوند : حانة قديمة بفضاء الكوليزي
– لافايات : حي بمركز مدينة تونس كان يرتاده الفنانين يتميز بعماراته العتيقة ومقاهيه
– سوق سيدي بومنديل : سوق شعبي للبضائع المهربة بالمدينة العتيقة بتونس

محمد المناعي-تونس

 

تعليق واحد

  1. سرد نقل تفاصيل الحياة الشعبية التونسية أبدعت يا استاذمحمد المناعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *