الرئيسيةمقالات و دراساتلماذا كتبتُ قصص «حبر على الهامش»

لماذا كتبتُ قصص «حبر على الهامش»

تم التَّدْبِيجُ وإطلاق العنوان هذا بعد رَويَّةٍ. هو عنوان لا يَدِينُ للمركز بِصِلة ما، ولا بجَاذبِ ثُقْل أفُقِي، لأَنه هو الأَصْل والْمُبتدأ، بما أن القصصَ كُتبت في الهُنَاك، في الهَامش، بعيداً عن المدائن، وفي المَدائِن أيْضا. فالكِتابَة تشكل مَدينتها كما هَامشِها.
لنُحَاول تعْريفَا ذاتياً تَقريبِيّا لهذا الهناك الهَامِشيّ: الذي لا يدين لأي جهة بخُصوصِ وجوده النّصِّي الإبْداعي سوى للذي يخرج من مَسَاقِط الضوء الجوانية بعد رحلة الليل الطويل، بعد الإحباط المُتَرصِّدِ في المَدارات وعند الاستيقاظ من الأَوْهامِ المتناثرة كَحصَى لا يُرى. هو ليس نِسيانا ولا تجَاهلا ولا إزَاحة في رقعة مُجتَمعية بَئيسة.هو مآس تتَحَول إلى سَعادة كِتابة، حسب رأي معروف لجان كوكتو.
هو هامش مُفْسَحٌ للكتابة خارج توافقات السُّلطة والقبيلة والسياسة، أي بِمَنْأى عن الخُنوع للأيديولوجيا، فقط للكتابة التي هي طَريقَةِ عَيشٍ تبعا لمَا قال غوستاف فلوبير. هنا الكتابة هي الهامِش المُتَاح لكي يَنوَجِدالنص. كتابة تأسَّست على الهَامش وليس فيه. أي في حُضن السلام الذي يعني الهدوء ولا يعني خارج الصَّدى الذي يستمر عند اللقَاء بالحِبْر. فالحِبْر يَنْثَال من قلم مَغمُوس في الكتابة أولا، ثم التَّجربة ثانيا، والقِراءة الدَّؤوبة قبْل هذه وتلك، كي يتم اكْتمَال النَّص المُتفرد بذاته بدون إدعاء كَاذب.
لم يَتِم اخْتيَار العُنوان بعِناية من أجل التَّعبير فَقط عن رُوحِ النُّصُوص القصصيّة الخَمْسة عَشَر التي يتضمنها الكِتابُ وهِي: سُرَّة العَين، زَرادشْت في مَكانٍ بعيد، عنْد أَقدَام الشَّلَال، مخْلَب الرجل الأنِيق، العَينُ والذُّبابة، أَضْغاثُ عاشِق ورقِي، حُبٌّ في بحْر اللَّيل، المَرأةُ الجالسَة، حكاية بيضاوية، هَوسٌ برائحة اللّيل، غِوايةُ الرِّهان، حوار مع بَائِعُةٍ شَقْراء، حُبٌّ في حديقة ما، خُرَافة عن الخوف، ومن الحَجر مَا كَتب.بل لسبَبٍ بسيطٍ هو أن تُعلِن عن حالة كِتابةٍ في لحظةٍ جامعةٍ تضم أَرْواحَ النُّصوص القصصية التي كَتبت هنا، وتلك التي كَتبت من قبل، كَما التي تنتظر أن أكْتبها في هامشٍ مُشَابِهٍ.
أسْبوع واحد فقط هو مَا تَطلَّبه تدبيجُ العنوان، الذي قد وددت أن يُحدثَ طَنَين جرس وحيدٍ، صُراخاًب دون صَوتٍ كما قالت ماركريتدوراس، هو بِمَثابة بَيَانِ كتابةٍ على شكْل قصص قصيرة مُنتَقاة للقول بأن الْحِبْر هنا مَدِين لِذَاتِه وَلَذَّاته المُنشطِرة بين الصَّمت الحَكيم والاعْترافِعَبْر جَميلِ الحَرف ومُتعة الكشف بالحكي المبني على مفاجأة القارئ. ذاك الي قاَلُ عنه همنغواي انه كتابة مُخْتلقةٌ بالضَّرورة وفي الاخْتلَاقِ يَكْمُنُ مَعْناهَا فَتَجْعَلُ الأشياءَ واقِعيةً.
هي عوالم مُقْتَطَعَة من حَيوَات أشخاصٍ في الهُنَاك. فيِهم شَخصُ الكاتب أحْيانا وقد تمت اسْتعارتها في مَواقف استدعت الدخول في شبكة قص مُشَيد حسب القواعد اللاَّزمة لإحداث الأثر. وفيها شخصِيات متعددة أخرى دَخلت بِقوة البناء القصصي عالما لها في أوقَاتٍ فَالِتة. حسب علاقات تتَمدَّدُ وتتَحَقَّقُ بالتَّفارُق وباللِّقاء، بالحُب والمُنَافَحَة والاختراق والانْتِصَار على ما يعوق الجَميل والعَادل والحُر. هو الإنْسَان وهو يُصارع مَصيرا، صَغيراً كان أم كبيراً، ذلك التَّفصِيل المثير للتدخل التخْييلي على طريقة اللَّكمة كما أوصَى إميل سيوران في قَولة شَهيرةٍ. وذلك في سبيل فتْح الباب مُشْرعَة على جُزْءٍ منحَقيقة/حقَائق العَالم بواسطة التخييل المؤسس على وجدان متقد.
«حِبْرٌ على الْهَامِشِ» تحلّ، من مُنطلَقها في التنافس الشَّرس وفي مَكانها وحَسب أدَواتها، لتوريط الواقع الآخر القريب الغير المَرْئِي فيالقصة القصيرةِ كمَسْكٍ به قبل أن يسْطو السيل بأيامه الباردة المحايدة ويَمْحي. الهامش كمحاولة لصَد المَحو..

مبارك حسني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.