الرئيسيةإبداعقصة: نسيج في الذاكرة

قصة: نسيج في الذاكرة

Olga Rykova

تملكتني رغبة جامحة للتعرف عليها أكثر.. لذا اتخذت من كتابها الذي طلبته منها لقراءته وقد وعدتها باني سأعيده بنفسي الى يدها مبرراً لمعرفة عنوان سكنها.. وهنا كانت المفاجأة التي أعادتني الى مهد طفولتي.. ما إن دخلت حي الكرادة حتى شعرت بعيون الناس تحدق في وجهي، وكأن لسان حالهم يقول:
ـ ثلاثون سنة مرت، وربما أكثر.. ما الذي أتى بك أيها الطائر بعد هجرة طويلة..؟!!
عطر الطفولة ما زال يعبق بين المدرسة والزقاق ونهر دجلة.. هنا نسجت مخيلة الطائر الصغير عشاً، راح يحلم متمنياً ان يراه حقيقة فوق أغصان شجرة على نهر دجلة قرب الجسر المعلق.. إلا ان حلمه بقي نسيجاً في احضان مخيلته.. فهو كلما هام برائحة أنثى لم يجرؤ على مصارحتها، يتملكه خوف الاقتراب منها، وان اقترب يتلعثم لسانه في الكلام معها، ويخشى حتى من لمس يدها.. أحياناً كنت أنزل الى شاطئ النهر وقت الظهر ومعي خيطي وصنارتي حيث يكون المكان خالياً من الناس في مثل هذا الوقت.. ذات مرة تبعتني جنان ابنة الجيران التي لم اشهد بنتاً بجرأتها.. نزلت الشاطئ خلفي من دون علمي، وحين رميت الصنارة الى الماء فوجئت بضحكتها تنساب الى مسامعي..
ـ جنان..!!
مازلت اذكر قوامها وملامحها، سمراء نحيفة شعرها ناعم مسترسل على كتفيها.. عندها تملكني خوف شديد خشيت ان يرانا نفر من أهليها فيظن فينا الظنون.. تلعثمت وأنا اقول لها:
ـ هل يوافق أهلك على خروجك من البيت ظهراً..؟!! أمي تتفقدني وأنا ولد، فتخرج للبحث عني..
جنان لم تجبني، بل راحت تتأمل وجهي فتضحك من خوفي وارتباكي.. وقد فعلت ما لم أكن أتوقعه أبداً، رفعت ثوبها فشاهدت ما بين فخذيها لأول مرة في حياتي.. عندها لا أعلم كيف زلت قدمي وسقطت في النهر.. كدت أغرق لولا أني استطعت التمسك بحجر كبير من أحجار الشاطئ، وقد أضعت خيطي وصنارتي.. هرولت مسرعاً الى البيت وفي رأسي يدور سؤال: ماذا سأقول لأمي وهي ترى ملابسي تقطر ماءً ويلوثها الطين..؟!! حتما ستنهرني وتضربني.. والطامة الكبرى لو اشتكتني لأبي.. ولكن من حسن حظي وجدتها نائمة.. فدخلت الحمام على الفور، وغسلت ملابسي مما علق بها من طين، وبعد ذلك ادعيت أنني سقطت عند الحنفية في حوض ماء الغسيل، وفي تلك الليلة لم تهدأ مخيلتي لحظة واحدة وهي تجسم أمامي صوراً شتى لجنان.. ولم يكن ما رأيته من جسد جنان وحده يتجسم في مخيلتي بل هناك زينة الفتاة التي التقيتها في المركز الصحي، حينها جلست أمي تتحدث الى أمها وانفردنا لوحدنا نتحدث ونضحك.. وأية فتاة كانت زينة، لم اسمع صوتاً أعذب من صوتها ولم أشم في حياتي رائحة أنثى أطيب من رائحتها.. زينة جعلتني كل مساء أقضي وقتاً حتى الليل عند باب المركز الصحي لعلي أراها تشرق ثانية في هذا المكان.. فاتني ان اسألها عن عنوان مسكنهم، وكم عضضت أصابعي ندماً لهذا وأنا استحضر صورتها وعذوبة صوتها واستنشق رائحتها وكأنها معي تشاركني بناء العش الذي انسجه في مخيلتي.. وهكذا لم يفتني مساء إلا وذهبت الى هناك متأملاً رؤيتها.. الى ان جاء يوم طرقت فيه باب بيتنا، وإذا برجال يحملون أوراقاً بين أيديهم أخبرونا بأن جميع البيوت التي تقع قبالة النهر سيتم تهديمها..
ـ لماذا..؟!!
سأل أبي مستفسراً.. فأجابه أحدهم:
ـ تعتزم الدولة إنشاء بنايات هنا..!!
وهكذا وجد الطائر نفسه داخل قفص صغير محمولاً مع الأثاث في سيارة كبيرة تتجه به صوب حي مكتظ بالبيوت ليعيش في عالم آخر يختلف تماماً عن عالمه، إلا ان حلمه في ان يكون له عش على شجرة قرب الجسر المعلق بقي منسوجاً في مخيلته.. والآن أتأمل ساحة الحرية، هذا المكان الذي شهد الكثير من مرح الطفولة، لقد تغيرت ملامحه كثيراً.. أخرجت هاتفي الموبايل، طلبت زميلتي صاحبة الكتاب، أعلمتها أنني في حي الكرادة عند ساحة الحرية.. وجلست قبالة نافورة انتظرها بعد ان قالت لي بانها لن تتأخر..
*****
ـ لماذا كلفت نفسك المجيء الى منطقتي من أجل الكتاب، الموضوع لا يستحق هذا العناء..؟!!
قالت زميلتي هذا الكلام وأنا أتأمل وجهها مبتسماً.. فأجبتها:
ـ منطقتك..؟ هذا المكان مهد طفولتي.
وأشرت لها مواصلاً: هناك بناية قبالة جامع النعيمي كانت تدعى مدرسة الفيحاء (مدرستي).. وهناك كان يقع بيتنا بين شاطئ النهر والمركز الصحي.. ثم أنها رغبتي في التعرف عليك أكثر فاكثر..
رأيت وجهها قد أشرق بابتسامة شعرت بأن لها شعاعاً راح يلمع على أوراق شجرة قرب الجسر.. أعاد الى مخيلتي نسيج العش، وأمنيتي في بنائه..

 

عادل الصفار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *