الرئيسيةأعمدةد. أبـوبـكـر العــــزاوي: الاستدلال والحجاج في القرآن الكريم (7)

د. أبـوبـكـر العــــزاوي: الاستدلال والحجاج في القرآن الكريم (7)

في هذا البحث سندرس أنماط الحجاج والإستدلال في القرآن الكريم.  نشير في البداية إلى أن القرآن ليس كتاب منطق، وليس أيضا كتاب فيزياء أو رياضيات أو تاريخ أو فلسفة أو غيرها من العلوم والمعارف. نعم لقد إشتمل على كثير من الحقائق العلمية المرتبطة بكثير من العلوم . أقول اشتمل على كثير من الحقائق العلمية، ولم أقل النظريات العلمية. فالنظريات تخضع للتعديل و التغيير والتطوير، ولا يمكننا إلا البرهنة على بطلانها حسب مبدأ الإبطالية، الذي يقول به كارل بوبر (K.Popper) . فلما أنزل الله كتابه الكريم على رسوله محمد صل الله عليه وسلم ، لم تكن الغاية أن يعطينا دروسا في المنطق أو الرياضيات أو الفيزياء أو غيرها، الغاية أسمى من هذا بكثير. قال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ). وكل ما يخدم هذه الغاية النبيلة والسامية، فقد علمه الله لنا ، عن طريق كتابه المنزل ، أو عن طريق رسوله الكريم. وكل العلوم والمعارف تخدم هذه الغاية ، وتساعدنا على تحقيقها على الوجه الأكمل .

ولما كان الله عز وجل يخاطب أفراد البشر قاطبة، ويكلمهم بلغاتهم وألسنتهم قال تعالى : (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ). وقال مخاطبا رسوله محمد (صلعم): (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم،ولعلهم يتفكرون) “النحل /44″ فالله عز وجل يحاور البشر ويخاطبه ويقنعه ويقدم إليه الدليل تلو الدليل، والحجة تلو الحجة ويقدم إليه أنواعا مختلفة من الأدلة والحجج والبراهين، الأدلة العقلية و النقلية، البراهين المنطقية والرياضية والعلمية، الدلائل الفطرية والطبيعية، الحجج اللغوية و البلاغية وغيرها، ليقتنع من تلقاء نفسه، وليقبل على العبادة التي خلق من أجلها طائعا لامكرها. ولو أراد الله عز وجل أن يؤمن كل أفراد البشر لآمنوا، فهو قادر على كل شيء، ولا راد لحكمه وقضائه. قال تعالى :(ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا).” يونس/99 ” ولكنه عز وجل، اقتضت حكمته أن يرسل الرسل و الأنبياء، وينزل الكتب السماوية، ويدعو الناس إلى الإيمان والعبادة، طواعية واختيارا، لا كرها وإجبارا:( فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر)، ” الكهف/29 “. ولهذا كان الله عز وجل يخاطبنا ويحاورنا ويحاجنا ويقنعنا، لنؤمن به قناعة واقتناعا واختيارا. فكان القرآن الكريم ذا بنية حوارية حجاجية بامتياز، اشتمل بالتالي على معجم حواري (مئات المؤشرات الحوارية و التلفظية : الضمائرالشخصية، ألفاظ القول و الكلام ومشتقاتهما ، لفظة الحوار التي وردت عدة مرات في القرآن الكريم، ظروف المكان والزمان، وغيرها من المؤشرات ).

واشتمل القرآن أيضا على معجم حجاجي، فقد وردت لفظة الحجاج في القرآن بصيغ مختلفة 19 مرة. فنجد في القرآن الكريم الصيغ التالية : وحاجه، تحاجون، حاججتم، وحجتنا، حجتهم، حاج، حجة، حاجوك، ونجد هذا في كثير من الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى :

  • ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) ” البقرة /258 “
  • ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) ” الأنعام /84 “
  • ( ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ) ” آل عمران/66 “
  • ( حجتهم داحضة عند ربهم ) ” الشورى/16 “
  • ( وحاجه قومه، قل أتحاجوني في الله وقد هدان ) ” الأنعام/80 ” .

ووردت لفظة الجدل أو الجدال بمشتقاتها و صيغها المختلفة 27 مرة في القرآن الكريم : تجادلوا، يجادلونك، يجادلون، جدلا، وجادلوا، يجادل، أتجادلونني، تجادلك، …..إلخ .

ونجد هذا في آيات عديدة مثل قوله تعالى :

  • ( ولاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) ” العنكبوت/46 “
  • ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ” النحل /125 “
  • ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) ” المجادلة /1 “
  • ( ما ضربوه لك إلا جدلا )” الزخرف / 58 “.

وتحدث القرآن الكريم عن الجدال المحمود و الجدال المذموم.

ولأن القرآن الكريم يخاطب الناس كافة، ويحاورهم ويحاجهم ويسعى إلى إقناعهم بالحجة الباهرة و الدليل المقنع و البرهان المزيل للإبهام و الشكوك، أي الأدلة بمختلف أنواعها وأنماطها، فقد إشتمل على أنماط عديدة من الاستدلال، وأنواع كثيرة من الحجاج: لقد اشتمل القياس الأصولـي بأنواعه المختلـفة ( قياس العلة، قياس الدلالة، قياس الشبه )، وأيضا القياس المنطقي ( و بالخصوص القياس المضمر وهو الذي حذفت منه إحدى المقدمتين أو النتيجة )، واشتمل على قياس التمثيل و قياس الخلف و قياس الأولى وأنواع أخرى من القياس، وقد اشتمل أيضا على الحجاج اللغوي و الحجاج البلاغي . ثم إننا نجد فيه أنواعا أخرى من الاستدلال ، أو من الأدلة : الأدلة الفطرية والبديهية : فهناك دليل الإختراع، ودليل العناية، ودليل التمانع وغيرها .

ففي قوله تعالى: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) ” الأنبياء/22″، نجد قياسا مضمرا والأصل هنا هو : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) ( المقدمة الكبرى )، لكن لم تفسدا ( المقدمة الصغرى )، إذن ليس فيهما آلهة ( النتيجة)، إذن هناك إله واحد هو الله . وهذا القياس المنطقي سماه علماء الكلام : دليل التمانع. وسنعود إلى التفصيل في هذا في حلقة قادمة .

تعليق واحد

  1. المصطفى سلام

    الأستاذ أبو بكر العزتوي أستاذ باحث لا يشق له غبار في مجال الحجاج و لا سيما الحجاج اللغوي و البلاغي . تعلمنا كثيرا من خلال دراساته و أبحاثه التي لا ترهق قارئها بالأصول النظرية و الزخرفة الكلامية . يذهب بك مباشرة إلى الموضوع و يضعك في خضم التحليل ليجعلك تتذوق نكهة الدراسة و البحث بعد أن عانى هو محنة البحث في الأصول ….شكرا له جزيلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *